نفترض أولاً أن الموقف هو إنكار مشروعية الحوار مع الآخرين عموماً، أو مع الذين تورّطوا في التطاول على رسول الله خصوصاً. ولا بد أن نبدي في هذه الحال دهشتنا من تجاهل ما هو معلوم بالبداهة من أوامر القرآن وما هو معلوم لكل مسلم مثقف من سيرة رسول الله. اذ كيف يتأتى طيّ الدعوة إلى الحوار أمام قول الله تعالى: «أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» ؟ وفي القرآن مشاهد كثيرة للحوار العقلاني مع الآخرين، لا يجهلها من هو على صلة مّا بالقرآن. بل كيف يتأتى الإعراض عنه والتهوين من شأنه وقد علمنا أن رسول الله ضحى بسبعة من عيون أصحابه يوم الرجيع في سبيل الحوار مع المشركين، ثم ضحى في العام ذاته بسبعين من أخلص أصحابه على طريق الحوار مع المشركين في نجد، لم ينج منهم إلا واحد أبقاه الله ليعود إلى رسول الله بخبر ما جرى لإخوانه؟
وقد دل عمله عليه الصلاة والسلام على أنه لم يكن يشترط لمشروعية الحوار أن يكون ناجحاً أو يغلب عليه النجاح، بل كان ينطلق إليه استجابة لأمر الله، بصرف النظر عن النتائج. إنّ نجاح الحوار مع الآخرين، في يقينه، أن يتم على النهج الذي أمر الله به، سواء هدي الآخرون إلى الحق بسببه أم أصرّوا على باطلهم وتمسكهم به. إنه الإبلاغ الذي لا بديل عنه، وهو الواجب المراد لذاته، بصرف النظر عن النتائج. ثم إن الإعراض عن الدعوة التي توجه إلى المسلمين للتلاقي من أجل الحوار، لا بدّ أن يحمل في طياته الدلالة على أن كلاً من الاستنكار والتنديد مطلوب لذاته، وليس وسيلة لحل مشكلة أو أداة للإقلاع عن منكر. ومعاذ الله أن يحتضن الإسلام مثل هذه الدلالة.
وصفوة القول أن محاورة الآخرين هو العمود الفقري لسائر أعمال الدعوة إلى الله، وحسبك من قدسية أعمال الدعوة إليه عز وجل قوله في محكم تبيانه: «ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين» . فمن وقف في وجه الحوار أو فنّده أو استخف به، فليعلم أنه إنما اتخذ هذا الموقف من واجب الدعوة إلى الله عز وجل.
على أن تلاقي علماء المسلمين ودعاتهم مع الآخرين أياً كانوا على مائدة المباحثة والحوار، له آثار ونتائج أخرى ذات أهمية بالغة. اذ يزيل كثيراً من اللبس الذي يرسخه ويضخمه تجافي الأطراف عن اللقاء، ويكشف عن كثير من النقاط الغامضة والأمور المجهولة التي تسبب الوحشة وتفتح أمام العدو المشترك مجالاً رحباً للإيقاع بين الأطراف. وعلى سبيل المثال، فإن الالتباس القائم بين حرية التعبير عن الرأي والمعتقد، وحرية إيذاء الآخرين بالهمز واللمز وتمزيق الكرامة، في ذهن كثير من الناس في الغرب، إنما يزيله التلاقي والحوار. وعلى سبيل المثال أيضاً من المفيد جداً أن يستبين لكل من الجالية الإسلامية في أوروبا والقائمين بالحكم وإدارة الأمور السياسية فيها، ما يلعبه طرف ثالث من دور خفي وخطير للإيقاع بين تلك الجالية والممْسِكين بأزمّة الحكم هناك. وقد كان هذا الدورُ إلى الأمس القريب خفياً، وكان أبطاله يتوارون عن أعين الرقباء في الظل. لكن كُلاً من الدور وأصحابه باتا اليوم جليين ومكشوفين، ويتلخصان في ما أقدمت عليه الصهيونية العالمية من سلسلة محاولات، إثر النتيجة التي انتهى إليها الاستفتاء في المجتمعات الغربية كلها قبل خمس سنوات، والذي كانت نتيجته أن إسرائيل هي الدولة الإرهابية الأولى في العالم، وهي أيقنت أن ما جاء بهذه النتيجة غير المتوقعة إنما هو نشاط الجاليات الإسلامية المتزايد في أوروبا عددياً وتغلغلاً حضارياً.
وسرعان ما وقعت إسرائيل على العلاج الذي يدرأ هذا الخطر الكبير عنها. إنه علاج واحد لا ثاني له، هو العمل بكل الوسائل الممكنة على الإيقاع بين دوائر الحكومات الأوروبية والجاليات الإسلامية فيها. كانت الوسيلة الأولى إلى ذلك إثارة مسألة الحجاب الإسلامي وتحريك أصحاب القرار للعمل على منعه، ثم أعقبتها الوسيلة الثانية اليوم، وهي استثارة غيظ المسلمين عن طريق دفع بعضهم إلى التطاول على شخص رسول الله عن طريق الرسوم. والكشف عن هذه الحقيقة لا سبيل له إلا الحوار، مشفوعاً بعرض الوثائق والدلائل. وسيتضح حينئذ أن الطرفين، الأوربيين والمسلمين، إنما يراد لهما أن يكونا ضحيتين لهذا المكر. ومعرفة الخفايا في مثل هذه الحال هي السبيل إلى حلّ المشكلة وإنهاء التوتر.