فهرس الكتاب

الصفحة 2671 من 3657

هذا هو الافتراض الأول في السبب الذي دعا أولئك الناس إلى أن ينكروا على إخوة صالحين لهم استجابتهم للدعوة التي تلقوها من كثير من المسؤولين الدنماركيين للتلاقي على مائدة الحوار. أما الافتراض الثاني فهو قناعة أولئك أن الذين هَبُّوا للاستجابة، وتوجهوا، من دون أي استئذان منهم إلى مائدة المناقشة والحوار، غير مؤهلين لذلك، وأن القيام بمثل هذا العمل ينبغي أن يكون وقفاً على جماعة أو منظمة بخصوصها، ومن ثم فإن تجاوزها شق لعصا الجماعة وعقوق لمقتضى الانتماء. ونقول تعقيباً على هذا الافتراض: لو كانت الخلافة الإسلامية بأيامها المزدهرة ممتدة إلى يومنا هذا، إذن لقلنا: إن خليفة المسلمين وإمامهم هو المرجع الأول في معالجة هذه المشكلة واتخاذ القرار المناسب لحلّها، وإن على سائر العاملين في الحقل الإسلامي من علماء الإسلام والداعين إليه، أن يهتدوا بهديه وأن يلتزموا تعاليمه، ولقلنا إن أي شرود عن تعاليم الخليفة شقٌ لعصا المسلمين حقاً وفتح لثغرات الخلاف في بنيان الوحدة الإسلامية.

لكن عصور الخلافة الإسلامية طويت -كما هو معلوم - عن حياتنا اليوم، وعادت الدولة الإسلامية دويلات شتى، وأصبح علماء المسلمين والدعاة إلى الإسلام جماعات متنوعة. ولا يتأتى في هذه الحال أن تزعم جماعة منها أن لها سلطة القيادة والتوجيه على الجماعات الأخرى. ومهما تمكنت من جمع شتات العلماء وضفرهم في جماعة واحدة، فإن عليّ أن أعلم كما قال الإمام مالك للمنصور: ان من وراء جماعتي هذه علماء أفذاذاً كثيرين منتشرين في أصقاع الدنيا كلها، لا سلطان لي على شيء من أفكارهم واجتهاداتهم، وليس لي من سبيل إليهم إلا الأُخوة في سبيل الله والتعاون على مرضاة الله، بل عليّ أن أعلم أيضاً أن ليس لي من سلطان على الناس الذين انضووا في جماعتي. إن لهم أن يكونوا أعضاء في جماعتي اليوم، وأن يتحولوا عنها غداً، وإن لهم أن يتّفقوا اليوم معي في اجتهاد رأيته، وأن يخالفوني إلى اجتهاد آخر يرونه غداً.

فإن أنا أبيت إلا اتباع الناس كلهم للجماعة التي اصطفيتها، وأصررت على أن أتهم المخالفين لي بشق عصا المسلمين، لا سيما في أمر لم يشرد المخالفون فيه عن أمر الله ورسوله، بل انقادوا فيه لأمر كل منهما، فذلك دليل ناطق بأني اتخذ من عصبيتي الفردية أو الجماعية حاكماً على شرعة الله وهديه. ولا أعلم في الدنياكلها ابتلاءً يطوف بالفئة الداعية إلى الله، شرّاً من الابتلاء بمشاعر العصبية للذات أو الجماعة، إنها إن هيمنت على صاحبها أحالت شرعة الله وأحكامه إلى مطية ذلول تدار على خدمتها، أي خدمة العصبية وتغذيتها بغذاء الاستكبار والاعتداد بالذات.

أخيراً، وبصرف النظر عن هذين الاحتمالين والتعليق عليهما، فإن الحوار الذي دعت إليه فئات من المسؤولين وغيرهم في الدنمارك تم كما هو معلوم، وحقق كثيراً من ثماره. وإنه لَعبادة مأجورة حتى ولو لم يحقق شيئاً من ثماره، فكيف وقد حقق الكثير منها. ولَتمنيت أن لم تَحُلْ موانع دون اشتراكي مع الذين تقربوا إلى الله بهذا الجهاد الفكري المبرور. ولقد عشت حياتي الغابرة كلها وأنا أقدس الحوار وأدعو إليه واستجيب له، ورأيت بعيني آثاره الحميدة، ودوره في تبديد غاشية الوحشة مع الآخرين، ومدً نسيج الأنس في مكانها معهم.

لقد استنكرت الكفر الذي تنطوي عليه المادية الجدلية، ولكني ترجمت استنكاري لها بدرسها وهضمها والتأمل في قوانينها ومقولاتها، ثم أقبلت إلى قادتها ومنظّريها أناقشهم فيها، على ضوء موازين العلم وحده، فكان من وراء ذلك الخير العظيم والتلاقي على الحق. واستنكرت الكفر الذي تنطوي عليه الفلسفة الوجودية، وجربت حظي في التطاول على الآخذين بها والمنتسبين إليها، وفي تسخيفهم والاستهانة بأفكارهم، فلم أعد من تلك التجربة إلا وقد حُمِّلت أضعاف ما اتهمتُهم به من السخافة في الفكر والضياع في الانتماء. عندئذ أقبلت إلى الوجودية أعكف على درسها، وأحمّل نفسي وعقلي أثقال سخافتها، ثم عدت إلى الذين أوسعوني اتهاماً بالجهل والتخلف والفكر المشيخي الضيق، أحاورهم فيها وأجادلهم في مقولاتها، فكان أن تحول التقاذف بيننا بتهم السخافة والكفر والجهل، إلى التواصل والتآنس من خلال جسور الحوار العقلاني، ثم تفتحت خلال الحوار فرص الحديث عن الإسلام وحقيقته ومصدره، وتجلى للجميع في أكثر من لقاءٍ مصداق قول الله تعالى: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» .

شرط واحد ينبغي أن يلاحظه ويلتزم به المسلم الداعي إلى الله عند محاورته للآخرين، هو أن يقف منهم موقف الندّ من الندّ، ولا يجوز أن يتعالى عليهم أو أن يقف منهم موقف المرشد من مريده أو موقف الناصح من المتنكب عن الجادة. وحصيلة القول أن واجب التنديد والاستنكار لا يغني عن واجب التبصير والحوار. وإذا كان الإخلاص لله هو السائق والحادي، فلسوف ينبثق من تلاقي هذين الواجبين خير كبير يعم سائر الأطراف.

صحيفة الحياة اللندنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت