فهرس الكتاب

الصفحة 3047 من 3657

وحين كان المسلمون الأوائل يعبدون الله كأنهم يرونه كانت تلك الأمة العجيبة الفريدة في التاريخ! (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .

كان الحاكم يقول:"اسمعوا وأطيعوا ما أطعت الله فيكم. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

وكان يقول:"إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني"

وكان وهو يحارب كسرى وقيصر، ويواجه أكبر إمبراطوريتين في التاريخ، لا يضيق بالتقويم الذي طلبه من الناس بنفسه. فيقبل من رجل من المسلمين أن يقول له: لا سمع لك علينا اليوم ولا طاعة حتى تبين لنا كذا وكذا. فلا يغضب، بل يجيبه في الحال إلى طلبه ويبين له.

وكان يقول: لو أن بغلة بصنعاء عثرت لرأيتني مسئولاً عنها!

وكان يعمل على توطيد العدالة الاجتماعية في المجتمع حتى أمكنه - لأول مرة في التاريخ - أن يلغي الفقر من المجتمع، كما حدث أيام عمر بن عبد العزيز! وكان الجندي يقول: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقتل هذا الرجل أو يقتلني؟ ثم يقتحم المعركة ليصيب إحدى الحسنيين!

وكان القائد يُعزل في زهوة النصر فلا يضطغن ولا يتمرد ولا يترك ميدان القتال. وإنما يستمر يجاهد في سبيل الله جندياً لا إمارة له ولا سلطان.

وكان البائع يستحي من الله أن يكسب ما ليس له بحق، فيرد نقوداً أخذها صبيه دون علم منه من أحد المشترين. ويصر على ردها إليه حتى والمشتري يحلف بالله أنه دفعها راضياً وأن البضاعة في نظره تستحق. وكان الزوج يعاشر زوجته بالمعروف، والزوجة تصون عرض زوجها في غيبته. فيذهب إلى ميدان القتال ويغيب بالشهور وهو مطمئن إلى بيته وعرضه وماله. لا يقربها السوء!

وكان المجتمع نظيفاً...

لا تقوم علاقات الناس على الغش في البيع والشراء. لا يعهد الإنسان إلى العامل أو الصانع بالعمل وهو متوجس منه خيفة أن يغشه أو يدلس عليه أو يسرق الأمانة ويذهب إلى غير رجوع!

لا يتحدث الرجل إلى الرجل وهو يعلم أنه يكذب عليه ويخدعه. ويبادله في الوقت ذاته الكذب والخداع!

لا يكذب الوالد على أبنائه فيعلمهم الكذب بالقدوة السيئة. ولا يكذب الابن على الوالد، لأنه لا يتعامل معه، وإنما يتعامل مع الله!

ولا يسرق الشاب عرض امرأة متزوجة أو فتاة غريرة. ولا تخرج الفتاة متبرجة في سوق الفتنة تحاول أن توقع الشباب!

لم يكن الناس ملائكة! كانوا بشراً ما يزالون! ولكنهم بشر مستقيمو الفطرة لا عِوَج في نفوسهم ولا التواء. متحابون إلى الله. متعاونون على البر والتقوى لا متعاونون على الإثم والعدوان.

وكانت هناك جريمة.. فإن وجه الأرض لم يخل من الجريمة في وقت من الأوقات. ولكنها كانت الشذوذ الذي يثبت القاعدة. ولم تكن القاعدة هي الشذوذ!!

ومن ثم انطلقت هذه الأمة تنشئ تاريخاً لم يسبق في التاريخ!

ليس الفتح وحده هو الذي يلفت النظر، وإن كان حقيقاً بالتسجيل في سرعته الخاطفة التي لا مثيل لها من قبل ولا من بعد في التاريخ. ففي خمسين عاماً كان العالم الإسلامي الذي بدأ من لا شيء قد امتد من المحيط للمحيط. وكان كله - أو معظمه - قد اعتنق العقيدة الجديدة، وانقلب محارباً في سبيلها لا يهدأ حتى يراها قد بلغت إلى أفق جديد!

وإنما الذي يلفت النظر هو تلك القمم العالية التي بلغها في كل اتجاه. قمم العدالة الشامخة والعظمات النفسية والروحية التي تتكاثر وتتواكب في هذه الحقبة الصغيرة من التاريخ.

واتساع الجوانب وتعدد الآفاق. في الحرب والسلم. في السياسة والاجتماع. في الحضارات المختلفة التي استوعبها الإسلام، ومثلها تمثيلاً رائعاً فامتص ما فيها من خير، وألقى بالزبد إلى الفناء.

في الروابط القوية المتينة التي شملت العالم الإسلامي كله، وفاضت منه إلى غير المسلمين حتى وهم يكيدون للدين. وحتى وهم يحاربونه أبشع حرب وأدنسها في أيام الصليبيين.

هذه الروابط المتينة التي صنعت معجزة لم تتكرر في غير الإسلام. إذ فسدت الحكومة - مبكراً، على أيدي الأمويين والعباسيين - ولكن المجتمع ظل إسلامياً، متماسكاً، متكافلاً، تربطه روح الأخوة والمودة ما يقرب من ألف من السنين!!

ذلك كله كان أثر العبادة الحقة، التي تعبد الله كأنها تراه!

ولقد كان القدوة الكبرى في ذلك دون شك هو الرسول الأعظم، منشئ هذه الأمة ومربي قادتها وجنودها على هدي الله وهدي الإسلام.

كان صلى الله عليه وسلم يرى الله كل لحظة من لحظات حياته الطويلة العريضة الشاملة الفسيحة.

كان يراه وهو يتلقى الوحي عنه - سبحانه - فتطيقه نفسه وتستوعبه إلى الأعماق.

وكان يراه وهو ينطلق في مناكب الأرض يدعو الناس إلى هذا الوحي لكي يهتدوا به إلى الله.

وكان يراه وهو في بيته زوجاً وأبًا ورب أسرة.

ويراه وهو مع الناس وقريباً ومعلماً وهادياً إلى سواء السبيل.

ويراه وهو يقاتل في سبيل الله، وهو يعقد السلم ويرجع من جهاد إلى جهاد.

ولا نتحدث عن العبادة في الخلوة فهي في غير حاجة إلى حديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت