فهرس الكتاب

الصفحة 2037 من 3657

وكل من"الذين"فى الموضعين السابقين على"الصابئون"وكذلك"النصارى"إعرابها تقديرى لا يظهر لا في الخط ولا في النطق ، وذلك لأن الاسم الموصول"الذين"من المبنيات على حالة واحدة ، أما"النصارى"فهو اسم مقصور ، يتعذر ظهور حركة الإعراب عليه ، وهى هنا الفتحة ، و"الراء"مفتوحة أصالة ، ومحال أن تظهر فتحتان على موضع واحد. سواء كانت الحركتان مختلفتين ، كفتحٍ وضمٍ ، أو متجانستين ، كفتحتين وضمتين.

وخصوم القرآن نظروا في نظم هذه الآية الحكيمة وقالوا إن فيها خطأ لغوياً (نحوياً) ؛ لأن"الصابئون"معطوفة على منصوب"إن الذين آمنوا"فكان حقها أن تنصب ، فيقال"والصابئين"لكنها جاءت مرفوعة ب"الواو"هكذا"والصابئون"وهدفهم من تصيد هذه الشبهات إثبات:

-أن في القرأن تحريفاً لمخالفته بدهيات القواعد النحوية.

-أو هو ليس من عند الله ، لأن ما كان من عند الله لا يكون فيه خطأ.

الرد على الشبهة:

للنحاة والمفسرين في توجيه رفع"الصابئون"فى هذه الآية عدة آراء ، منها ما هو قوى مشهود له في الاستعمال اللغوى عند العرب الخلص ، ومنها ما هو دون ذلك ، وقد بلغت في جملتها تسعة توجهات نذكر منها ما يلى:

الأول: ما قاله جمهور نحاة البصرة ، الخليل وسيبويه وأتباعهما ، قالوا: إن"الصابئون"مرفوع على أنه"مبتدأ"وخبره محذوف يدل عليه خبر ما قبله"إن الذين آمنوا"قالوا: والنية فيه التأخير ، أى تأخير"والصابئون"إلى ما بعد"والنصارى". وتقدير النظم والمعنى عندهم:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك" (2) .

ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف فقد حذف الخبر من المبتدأ الأول ، وتقديره"راضون"لدلالة الثانى عليه"راض".

والمعنى: نحن بما عندنا راضون ، وأنت بما عندك راض.

وقول الآخر:

ومن بك أمسى بالمدينة رحله فإنى وقيَّار بها لغريب والتقدير: فإنى لغريب وقيار كذلك.

وقول الشاعر:

وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق الشاعر يصف الفريقين أنهم"بغاة"إن استمروا في الشقاق ، والتقدير:

اعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.

وهكذا ورد في الاستعمال اللغوى عند العرب ، أن الجملة الاسمية المؤكدة ب"إن"يجوز أن يذكر فيها مبتدأ آخر غير اسم"إن"وأن يذكر خبر واحد يكون لاسم"إن"ويحذف خبر المبتدأ الثانى لدلالة خبر اسم"إن"عليه ، أو يحذف خبر اسم"إن"ويكون الخبر المذكور للمبتدأ الثانى دليلاً على خبر اسم"إن"المحذوف ونظم الآية التى كانت منشأ الشبهة عندهم لا يخرج عن هذه الأساليب الفصيحة ، التى عرفناها في الأبيات الشعرية الثلاثة ، وهى لشعراء فصحاء يستشهد بكلامهم.

الثانى: أن"إن"فى قوله تعالى:"إن الذين آمنوا"ليست هى"إنَّ"الناسخة ، التى تنصب المبتدأ وترفع الخبر ، بل هى بمعنى: نعم ، يعنى حرف جواب ، فلا تعمل في الجملة الاسمية لا نصباً ، ولا رفعاً ، وعلى هذا فالذى بعدها مرفوع المحل ، لأن"الذين"اسم موصول ، وهو مبنى في محل رفع ، وكذلك"الصابئون"فإنه مرفوع لفظاً ، وعلامة رفعه"الواو"لأنه جمع مذكر سالم ، مفرده"صابئ".

وقد استعملها العرب كذلك. قال قيس بن الرقيات:

برز الغوانى من الشباب يلمننى ، وآلو مهنَّهْ ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرتَ ، فقلت إنَّهْ (3) أى فقلت: نعم.

وعلى هذا فإن كلا من"الذين"و"الصابئون"والنصارى ، أسماء مرفوعة إما محلاً ، وهما: الذين " فهى مبنية في محل رفع ، والنصارى مرفوعة بضمة مقدرة لأنها اسم مقصور لا تظهر على آخره حركات ، وإما لفظاً مثل:"الصابئون"فهى مرفوعة لفظاً بواو الجماعة."

وعليه كما كان في المذهب الأول فلا خطأ في الآية كما زعم خصوم القرآن.

أما المفسرون فقد اختار الزمخشرى منهم المذهب الأول المعزو إلى جمهور علماء البصرة ، ومن شيوخهم الخليل وسيبويه ، فقال:

"والصابئون"رفع على الابتداء ، وخبره محذوف والنية به (4) التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل:

"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا ، والصابئون كذلك" (5) .

وقال الإمام الشوكانى:

"والصابئون"مرتفع على الابتداء ، وخبره محذوف والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك" (6) ."

وقد ألمح الإمام الشوكانى إلى إضافة جديدة خالف بها كلا من الخليل وسيبويه والزمخشرى ؛ لأن هؤلاء جعلوا"الصابئون"مقدما من تأخير كما تقدم ، أما هو فجعله قاراًّ في موضعه غير مقدم من تأخير بدليل قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت