لا يزالُ الحديثُ عن جانبٍ من جوانبِ عظمتِه (صلى اللهُ عليه وسلم) ، وعظمتُه تبهرُ العقول، وتخلبُ الألباب، وتحيرُ الأفكار، إنهُ عظيمُ لأنَه عظيم، وإنه صادقُ لأنَه صادق، بنى رسالةً أرسى من الجبال، وأسسَ مبادئ أعمقُ من التاريخ، وبنى جدارا لا يخترقَه الصوت، إنه (صلى اللهُ عليه وسلم) حيثما توجهتَ في عظمتِه وجدتَ عظمتَه، فهيا بنا إلى جانبِ الصبرِ في حياتِه (صلى اللهُ عليه وسلم) .
ذكرَ الصبرُ في القرآنِ في أكثرِ من تسعينَ موضعا، مرةً يمدحُ اللهُ الصابرين، ومرةً يخبرُ اللهُ بثوابِ الصابرين، ومرةً يذكرُ اللهُ عز وجل نتائجَ الصابرين، يقولُ لرسولِه (صلى اللهُ عليه وسلم) : فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
إذا رأيتَ الباطلَ يتحدى، وإذا رأيت الطغيانَ يتعدى: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
إذا قل مالُكَ وكثرَ فقرُكَ وعوزُك وتجمعتَ همومُك وغمومُك: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
إذا قتلَ أصحابُك وقل أصحابُك وتفرقَ أنصارُك: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
إذا كثُرَ عليك الأعداء، وتكالبَ عليك البُغضاء وتجمعت عليكَ الجاهليةُ الشنعاء: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
إذا وضعوا في طريقِك العقبات، وصنفوا لك المشكلات، وتهددوكَ بالسيئاتِ وأقبحَ الفعلات: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
إذا مات أبناؤكَ وبناتُك وتفرق أقرباءُك وأحباؤكَ: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
فكانَ مثالا للصبرِ عليه السلام، سكنَ في مكةَ فعاداهُ الأقرباءُ والأحباء، ونبذَه الأعمامُ والعمومةَ، وقاتلَه القريبُ قبل البعيد فكانَ من أصبرِ الناس، أفتقرَ وأشتكى، ووضع الحجرَ على بطنِه من الجوع وظمأَ فكان من أصبرِ الناس.
مات أبنَه بين يديه وعمرُه سنتان، فكان ينظرُ إلى أبنِه الحبيبِ القريبِ من القلبِ، ودموعُ المصطفى (صلى الله عليه وسلام) الحارةُ تتساقطُ كالجُمانِ أو كالدرِ على خدِ أبنِه وهو من أصبرُ الناسِ يقول: تدمع العين، ويحزنُ القلب، ولا نقولُ إلا ما يرضي ربَنا، وإنا بفراقِك يا إبراهيمُ لمحزونون.
مات خديجةُ زوجتُه وامرأتُه العاقلةُ الرشيدة، العاقلةُ الحازمةُ المرباةُ في بيتِ النبوة، التي كانت تؤيدُه وتنصُره، ماتت وقت الأزمات، ماتت في العصرِ المكي يوم تألبت عليه الجاهليةُ، وقد كانت رضي اللهُ عنها ساعدَه الأيمن.
يشتكي إليه من كثرةِ الأعداء، ومن الخوفِ على نفسِه فتقول: كلا واللهِ لا يخزيكَ اللهُ أبدا، إنك لتصلُ الرحم، وتحملُ الكلَ، وتعينُ الملهوفَ، وتطعمُ الضيفَ، كلا واللهِ لا يخزيكَ اللهُ أبدا. فتموتُ في عام الحزنِ فيكونُ من أصبرِ الناسِ لأن اللهَ يقولُ له: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
تجمع عليه كفارُ مكةَ، أقاربُه وأعمامُه، نصبوا له كمينا ليقتلوه ويغتالوه، فدخلَ دارَه، وأتى خمسونَ من شبابِ قريش، كلُ شابٍ معَه سيفُ يقطرُ دما وحقدا وحسدا وموتا، فلما طوقوا دارَه كان من أصبرِ الناس، خرج من الدارِ وهم في نعاسٍ وسباتٍ فحثا على رؤوسِهم الترابَ لأن اللهَ يقولُ له: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.
ولما حثا الترابَ على رؤوسِهم كانوا نياما قد تساقطت سيوفُهم من أياديهم، والرسول عليه الصلاة والسلامُ يتلو عليهم: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
خرج إلى غارِ ثورٍ ليختفي من الأعداء، فتولبَ عليه الأعداءُ وتجمعوا على سطحِ الغار، ونزلوا في ميمنةِ الغار، وأحاطوا بميسرةِ الغار، وطوقوا الغار وأرادوا أن يدخلُوه فسخرَ اللهُ عنكبوتا وحماما فعشعشت تلكَ، وباضت تلك:
ظنوا الحمامَ وظنوا العنكبوتَ على .... خيرِ البريةِ لم تنسج ولم تحمِ
عنايةُ الله أغنت عن مضاعفةٍ من الدروع وعن عالي من الأُطمِ
فما دخلوا الغار، يقولُ أبو بكر رضي الله عنه وهو في الغارِ مع المصطفى (صلى اللهُ عليه وسلم) : يا رسولَ الله واللهِ لو نظرَ أحدُهم إلى موطني قدمِه لرآنا.
فيتبسمُ عليه الصلاةُ والسلام، يتبسمُ الزعيمُ العالميُ، والقائدُ الرباني، الواثقُ بنصرِ اللهِ ويقول: يا أبا بكر، ما ظنُك باثنين اللهُ ثالثُهما؟ ويقول: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.
وهي دستورُ للحياة، إذا جعت وظمئت فقل: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.
إذا مات أبناؤكَ وبناتُكَ فقل: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.
وإذا أرصدت في طريقِك الكوارثَ والمشكلات ِفقال: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.