فهرس الكتاب

الصفحة 1082 من 3657

ومرة بعدم تكرير الفعل مثل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال:1] .

ولكل من التعبيرين مدلول خاص كما ذكر المفسرون قائلين: إذا كان الفعل أطيعوا متكررًا يفيد على أن للرسول صلى الله عليه وسلم نوع استقلال من الطاعة مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] .

يقول الألوسي رحمه الله في تفسيره هذه الآية:"وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناء بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعًا لتوهم أنه لا يحب امتثال ما ليس في القرآن وإيذانًا بأن له صلى الله عليه وسلم استقلالًا بالطاعة لم يثبت لغيره من البشر ومن ثم لم يعد في قوله سبحانه: {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] إيذانًا بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم [1] ."

وقد حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا المفهوم الخاطئ وهو الاكتفاء بما جاء في القرآن دون الرجوع إلى السنة المبينة للقرآن الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم.

"لا ألفين أحدًا متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" [2] .

وفي رواية المقدام زيادة:"ألا وإن ما حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله" [3] .

وأمّا إذا كانت الفعل غير متكرر مثل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال:1] . فيفيد أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة الله تعالى.

يقول الألوسي رحمه الله في تفسيره هذه الآية:"وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى أولًا وآخرًا لتعظيم شأنه وإظهار شرفه والإيذان بأن طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة الله تعالى، وقال غير واحد أنّ الجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أولًا لأن اختصاص الله تعالى بالأمر والرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال" [4] .

ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال:20] . حيث أفرد الضمير وأعيد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم دون الله عز وجل بعد الأمر بطاعتهما معًا لأنّ الضمير يرجع إلى أقرب المذكور كما هو معروف في علم النحو للإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة بين الله وبين خلقه في تبليغ مراد الله تعالى وبيانه، وأنّ طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة لله على غرار قوله تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] .

يقول الألوسي رحمه الله:"وأعيد الضمير إليه عليه الصلاة والسلام لأنّ المقصود طاعته صلى الله عليه وسلم وذكر طاعة الله توطئة لطاعته وهي مستلزمة لطاعة الله تعالى لأنّه مبلغ عنه فكان الراجع إليه كالراجع إلى الله تعالى" [5] .

ومن هذه النماذج التي ذكرناها سابقًا في موضوع طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يتبين لنا أنّ طاعته صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم في كل أمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر ثبت بالقرآن أو بالسنة لأنّ طاعته طاعة الله تعالى كما يدل عليه قوله تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن الهوى وإنما عن وحي من الله سبحانه وتعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:34] .

ويدخل في مفهوم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعه لأنّ مدلول الاتباع والطاعة يكادْ يكون واحدًا حيث أنها من المترادفات وشأن المترادفات أن يكون معناها واحدًا مع وجود فروق طفيفة مثل كلمتي قعد وجلس حيث أن الأولى من الاضطجاع والثانية من القيام مع أنّ مدلولهما واحد.

وهكذا شأن كل المترادفات، وأما كلمتي الاتباع والطاعة، فقد ذكر أبو هلال العسكري عند كلامه عن الفرق بين العبادة والطاعة أنّ مدلول الاتباع والطاعة واحد فقال:"والطاعة الفعل الواقع على حسب ما أراده المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك وتكون للخالق والمخلوق والعبادة لا تكون إلا للخالق، والطاعة في مجاز اللّغة تكون اتباع المدعو والداعي إلى ما دعاه إليه وإن لم يقصد التبع كالإنسان يكون مطيعًا للشيطان وإن لم يقصد أن يطيعه ولكنّه اتبع دعاءه وإرادته" [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت