يقول ابن العربي رحمه الله:"وقد روى أشهب ويحيى بن بكير وعبد الله بن عبد الحكم عن مالك أنّ هذه الآية إنّما كانت في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وكذلك قال محمد بن إسحاق."
والذي بيّن ذلك أنّ الآية مخصوص في الحرب أمران صحيحان:
أما أحدهما: فهو قوله تعالى في الآية الأخرى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا [النور:63] وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله جميعهم بألاّ يخرج أحد حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك يتبين إيمانه.
وأما الثاني: فهو قوله تعالى: {لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور:62] . فأي إذن في الحدث والإمام يخطب. وليس للإمام خيار في منعه ولا إيقافه وقد قال: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور:62] .
فيبين ذلك أنه مخصوص في الحرب التي يؤثر فيها التفرق" [39] ."
وهناك فريق آخر من العلماء الذين ذهبوا إلى أنّ الأمر الجامع يعم جميع الاجتماعات من حرب وصلاة جمعة وصلاة العيدين وغيرها من الأمور الأخرى التي تقتضي اجتماع المسلمين مع قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هؤلاء الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى حيث يقول في تفسير هذه الآية:"وهذا أيضًا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك أمرهم الله أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلاّ بعد استئذانه ومشاورته، وأنّ من يفعل ذلك فإنّه من المؤمنين الكاملين" [40] .
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله بعد إيراده قول الإمام ابن العربي:"القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى" [41] .
وممّا يرجح القول الثاني وهو أنّ الأمر الجامع يعم كل الاجتماعات قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة:11] .
يظهر من سياق هذه الآية أن بعض الصحابة أو جلهم خرجوا من عند رسول الله وهو قائم يخطب لأمور دنيوية بحتة وهي التجارة بحيث آثروا التجارة القادمة إلى المدينة على استماع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا نبههم الله سبحانه وتعالى على أن البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لهم بخلاف ما صدر عنهم الذي لا يليق لمقام النبوة.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى:"وتشير إلى حادث معين حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة من قوافلهم التجارية، فما أعلن نبأ قدومها حتى انفض المستمعون منصرفين إلى التجارة واللهو الذي كانت القافلة تحاط به على عادة الجاهلية، من ضرب بالدفوف وحداء وهيصة وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أبو بكر وعمر بقوا يستمعون كما تذكر الروايات [42] ."
والرواية التي تحدد العدد هي ما أخرجه البخاري رحمه الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال [43] : أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فثار الناس إلاّ اثني عشر رجلًا فأنزل الله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة:11] .
وخلاصة القول أنّ الآيتين اللتين ذكرناهما في هذه الزاوية ترشدان المسلمين إلى الآداب التي تجب على المسلم أن يتحلى بها في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء قلنا أنّ الأمر الجامع خاص بالحرب أو أنّه يعم كل الاجتماعات، أو أنّ الآية الأولى تتعلق بالحرب بينما الآية الثانية تتعلق بالخطبة وما يجري مجراها.
وهذه الآداب محلها في حال حياته صلى الله عليه وسلم وأمّا بعد مماته فتنتقل إلى ما بعده من الخلفاء الراشدين ومن في حكمهم.
يقول القرطبي رحمه الله:"وظاهر الآية يقضي أن يستأذن أمير الأمرة الذي هو في مقعد النبوة، فإنّه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين"44].
ـــــــــــــــ
الهوامش:
[1] روح المعاني: (5/65) .
[2] أخرجه الحاكم في مستدركه (1/108) وقال:"هو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"ووافقه الذهبي.
[3] أخرجه الحاكم في مستدركه (1/109) وصححه.
[4] روح المعاني: (9/164) .
[5] روح المعاني: (9/188) .
[6] الفروق في اللغة (ص:215) .
[7] كما صرح ابن كثير عند تفسير هذه الآية. انظر تفسيره (2/190) .
[8] مستدرك الحاكم (2/139) ، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[9] ابن كثير: (2/192) .
[10] أحكام القرآن (4/1700) مع التصرف.
[11] المصدر السابق (4/1701) .
[12] المصدر السابق (4/17011702) .
[13] مدارج السالكين: (2/389) .
[14] أضواء البيان (7/614) .
[15] تفسير القرآن العظيم: (2/67) .