فهرس الكتاب

الصفحة 1122 من 3657

إن مبنى تصديقه فيما أخبر، يقوم على الإقرار له صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فمن أقر له بالرسالة، وجب عليه تصديقه مطلقا.

أما الإقرار بأنه رسول من عند الله مع رد خبره وأمره الثابت، فهو تناقض وكفر.

والأخبار الواردة عنه صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أنحاء:

1-ثابت يقينا، قد تلقته الأمة بالقبول، مثل ما في الصحيحين عموما.

2-باطل يقينا، كالموضوعات والأحاديث الضعيفة غير المنجبرة.

3-ما بين ذلك، للعلماء فيها نظر واختلاف.

فأما الباطل، فرده وتكذيبه هو الواجب الذي لا ينبغي غيره؛ لأنه كذب على صاحب الشريعة.

وأما المختلف فيه، فلا إثم على من رده فلم يقبله، اعتمادا على بحث ونظر أدى إلى تضعيفه ورده، أو ثقة في قول عالم، من علماء الحديث والجرح والتعديل، رده بعلم ودراية.

لكن الشأن في الثابت يقينا، فلا يجوز رده ولا تكذيبه، فمن فعل ذلك فهو مكذب بالنبي غير مصدق له، أو مصدق لكنه معاند، ومن أنواع الكفر: العناد.

ووصف الثابت يقينا: هو ما أجمع أهل العلم بالحديث والجرح والتعديل، من أهل السنة والجماعة، على تلقيه بالقبول والتصحيح، والإجماع من الحجج الشرعية، التي لا يخالف فيها أحد من أهل العلم، لقوله تعالى:

- {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} .

وفي هذا رد على من رفض قبول تصحيح أهل العلم بالحديث، بدعوى أنهم بشر يخطئون، فليست الحجة في آحادهم، بل في مجموعهم، ومجموعهم لا يجتمع على ضلالة، كما دلت الآية.

ومن أمثلة هذا الثابت بيقين:

1-جملة ما في صحيح البخاري ومسلم، دون جميع أفرادها، حيث انتقد بعض أحاديثهما، من جمع من المحدثين الثقات، المعروفين بالسنة والعدالة، لكن لا يصح أن يكون ذلك سببا في الطعن في شيء فيهما.

2-الآثار المتواترة، وهي التي رواها الجمع الكثير عن الجمع الكثير، العشرة فما فوق، حيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب.

3-أصول الآثار التي استقر اعتقاد أهل السنة والجماعة عليها، في أبواب الاعتقاد والشريعة.

وفرق بين الذي يرد الحديث باجتهاد في التصحيح والتضعيف، نظرا منه واجتهادا في تطبيق قواعد الجرح والتعديل، وبين الراد له بدون قاعدة، بل بالهوى والمزاج، فهذا قد يرد جميع الحديث، فلا يقبل ولا واحدا منه، إلا ما لاءمه ووافق ميولاته، فهذا مكذب غير مصدق؛ لأنه إن كان مصدقا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يصدق أن دينه محفوظ بمصادره، وهي الكتاب والسنة، لكن رده للسنة يتضمن إنكار أن يكون دينه محفوظا، وهذا فيه إنكار للرسالة من أصلها.

تأويل في معنى التكذيب.

والتكذيب كما يكون برد ما ثبت ردا صريحا، فكذلك يكون بتأويل الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم تأويلا يخرجه عن معناه، ويبطل دلالته بالكلية، بقصد وتعمد. وهو مسلك يتبعه المنافقون الذين يلقبون بالباطنية، وهم: القرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، وطوائف من الصوفية، الذين يزعمون أن للشريعة ظاهرا وباطنا، فظاهرها للعوام، وباطنها للخواص، ويجعلون المعاني الباطنة مخالفة تماما لدلالات النصوص.

وهي أيضا: طريقة جماعة من المعاصرين، من أصحاب الفكر الحديث، المدعين التزام الإسلام وتعظيمه، لكن بتأويل الشريعة، تأويلًا يعطل: دلالتها، ومعانيها، وأحكامها. فما من حُكم ولا خبر لا يوافق أهواءهم، إلا ردوه وأولوه بما يتوافق مع أهوائهم، وركبوا لأجل ذلك طرق التحريف:

-فهذا النص والحكم كان لزمن ولظرف خاص، ولا ينفع في هذا العصر؛ لأن الظرف تغير.

-وهذا النص له تفسيرات أخرى في اللغة.

-وهذا النص يتعارض مع الحرية، والحرية من أسس الإسلام، فلا بد من تأويله.

-وفي هذه الأحاديث لسنا ملزمين بالأخذ بتصحيح بشر يخطئون.

وهكذا ما تركوا أمرا ولا خبرا، إلا ردوه معتمدين أهواءهم، مستدلين بكلام بعض العلماء مبتورًا، أو مسيئين الفهم، أو قاصدين إساءة الفهم، فما حالهم إلا حال المكذب، وما فعلهم إلا فعل المكذب.

فلا ريب أن هذا كفر، كفر التكذيب الصريح، بل هو أخبث، إذ يوهم أن صاحبه معظم للشريعة، عامل بها، بينما هو محرف لها، معطل لأصولها وحقائقها، وهذا النوع من التكذيب المبطن الخفي لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم يشتهر وينتعش في حالتين:

-في حال غلبة الشريعة وهيمنتها، فيخاف أولئك المحرفون من إظهار تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم علنا وجهارا، فليجئون إلى طريقة الشريعة الباطنة.

-وفي حال غلبة التدين على الناس، حيث تعتمد فئة هذا الأسلوب لإضلال الناس عن دينهم وصرفهم عنه، فيفعلون هذا بشريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما فعل بولس بشريعة عيسى عليه السلام.

أصول التصديق.

من أهم هذه الأصول:

اعتقاد هيمنة شريعته على سائر الشرائع، كما قال تعالى:

- {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت