وقد اختار الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم اسم (محمد) المشتمل على الحمد والثناء؛ فهو صلى الله عليه وسلم محمود عند الله تعالى، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم؛ لأن صفاته محمودة عند كل ذي عقل وإن كابر وجحد؛ فصدق عليه وصفه نفسه حين قال: « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، بيدي لواء الحمد، تحته آدم فمن دونه » . وقد أغاث الله تعالى به البشرية المتخبطة في ظلمات الشرك والجهل والخرافة، فكشف به الظلمة، وأذهب الغمة، وأصلح الأمة، وصار هو الإمام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم، فهدى الله به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به أعينا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وكثَّر به بعد القلة، وأعزَّ به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة. عرّف الناسَ ربَّهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف، لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كفاهم، وشفاهم، وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:51] ، وعرفهم الطريق الموصلة إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع صلى الله عليه وسلم حسنًا إلا أمر به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه. وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يُحب؟ جزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.
وقد وصف النبيَّ صلى الله عليه وسلم عدد من أزواجه وأصحابه كخديجة وعائشة، وأنس، وابن عباس، وعلي، وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، ولما كان المقصود الإشارة إلى ذلك دون الاستقصاء آثرت نقل كلام ابن القيم الجامع لأوصافه، تحاشياَ للإطالة وكثرة التخاريج.
قال ابن القيم: (ومما يحمد عليه صلى الله عليه وسلم ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها خير أخلاق الخلق، وأكرم شمائل الخلق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعظم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرة، وكان لا يزيد شدة الجهل عليه إلا حلمًا، كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة:(محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا) .
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعًا لهم في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبدًا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه، وأشد الخلق ذبًَّا عن أصحابه، وحماية لهم، ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل: بَرْدٌ على الأدنى ومرحمةٌ وعلى الأعادي مارنٌ جَلْدُ بواعث تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم: يدعو المسلم إلى ذلك أمور عدة، منها:
1-تعظيم العظيم سبحانه وتعالى، لأنه عظم نبيه صلى الله عليه وسلم؛ حيث أقسم بحياته في قوله: {لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] . كما أثنى عليه فقال: {وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، وقال: {ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] ، فلا يُذكر بشر في الدنيا ويثنى عليه كما يُذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويثنى عليه.