وأحاديث تكثير الطعام القليل تعددت، وتكررت في مواطن متعددة ورويت عن بضعة عشر من الصحابة، ورواها عنهم أضعافهم من التابعين ثم من لا يُعد بعدهم، وأكثر هذه الأحاديث مروية في الصحيح وأكثرها في قصص مشهورة، ومجامع مشهورة، ولا يمكن التحدث عنها إلا بالحق، ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها [59] .
هـ- ما أطلع عليه من الغيوب وما سيكون في المستقبل:
"والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهي من جملة معجزاته المعلومة على القطع" [60] ومنها على سبيل المثال حديث حذيفة ابن اليمان قال:"قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه" [61] .
وبعد فهذا جزء يسير جدا من دلائل نبوته المعنوية والحسية وصدق رسالته صلى الله عليه وسلم، أيد الله بها نبيه ليقيم الحجة على الخلق فيحيا من حيي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
فيجب على كل مسلم أن يتدبر في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ويطَّلع عليها، فإن فيها عظة وعبرة وتزيد من إيمان المرء ويقينه بنبوة خاتم المرسلين وإمامهم، الذي أعطاه الله من الآيات والبراهين ما لم يعط أحدا من الأنبياء قبله.
المبحث الثالث: وجوب الإيمان بعموم رسالته صلى الله عليه وسلم
تمهيد
إن من الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الإيمان بجميع ما جاء به، ومما جاء به صلى الله عليه وسلم الإخبار بعموم رسالته للإنس والجن بجميع أجناسهم وأشكالهم وألوانهم ومللهم ولغاتهم. لذا فإنه يجب أن يعلم أن الله عز وجل أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين الإنس والجن وأنه أوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأنه لا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته ولا أن يدين لله بغير ما جاء به"ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله" [62] قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [63] . وعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعالميتها هي إحدى الخصائص التي انفرد بها صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء قبله، إذ كان النبي إنما يعث إلى قومه خاصة ثم يبقى غيرهم محتاجا إلى من يبلغهم أمر الله عز وجل، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهو المبعوث رحمة للعالمين، فعمت رسالته جميع المكلفين إنسهم وجنهم، كما صحبت كذلك الزمان في مسيرته، فإذا انتهى جيل من الناس فإن الجيل الذي يليه مخاطب ومكلف بها.
والإيمان بعموم الرسالة وعالميتها هو الذي يدين به كل مسلم يؤمن بالله ورسوله، فهذا ما جاءت به آيات الكتاب الكريم ونصوص السنة الثابتة، فهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والتي أجمعت عليها الأمة.
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته
وردت آيات كثيرة في كتاب الله العزيز تثبت عموم دعوته وعالمية رسالته صلى الله عليه وسلم ومن سمة هذه الآيات أنها اتصفت بتنوع العبارة مع اتحاد في المضمون الذي هو الدلالة على عموم الرسالة وعالميتها.
وسوف نعرض لهذه الآيات بحسب اتحادها في السياق.
أ- الآيات التي ورد فيها لفظ"الناس"منها:
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا} [64] .
وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاس} [65] .
وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [66] .
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [67] .
وقوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم} [68] .
وقوله تعالى: {هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [69] .
وقوله تعالى: { الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [70] .
والشاهد من هذه الآيات أنها بينت شمول رسالة محمد صلى الله عليه وسلم للناس [71] جميعا. قال صاحب اللسان:"الناس قد يكون من الإنس ومن الجن" [72] .
فلفظ الناس يطلق على الجن والإنس كما في قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [73] فسمى الله الجن في هذا الموضع ناسا كما سماهم في موضع آخر رجالا، فقال: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} [74] فجعل الجن رجالا وكذلك جعل منهم ناسا [75] . وهناك رأي آخر يقول إن لفظ الناس دخل فيه الجن تغليبا [76] .