فهرس الكتاب
من الأمور التي سار عليها السلف في طاعتهم واتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوها منهجا لهم في الاتباع محاربتهم لذلك الثالوث الخطير المتمثل في البدعة والتقليد، والرأي.
فالسلف يعدون ذلك الثالوث مرضا خطيرا متى استشرى وانتشر في الأمة فإنه يفتك بعقيدتها وما هي عليه من الاتباع والسنة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما:"ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" [204] .
وعن جابر بن زيد [205] أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال:"يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت" [206] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر" [207] .
وهذه النصوص الثلاثة المنقولة عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصور عظم خطر تلك الأمور على الأمة كما تصور حرصهم على تحذير الأمة من خطرها وشرها الذي يهدد عقيدتهم وماهم عليه من الاتباع والسنة.
أ- محاربتهم للبدعة:
فأول تلك الأمور وأشدها خطرا على الأمة"البدعة"فالابتداع في الدين قد حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"
وقال:"فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" [208] .
كما بين حكم البدعة بقوله:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" [209] ومع وقفة تأمل لما ورد في هذه الأحاديث نلمس الأمور التالية:
ففي الحديث الأول والثاني وصف صلى الله عليه وسلم البدعة بكونها ضلالة وانحرافا عن الطريق والصراط المستقيم الذي رسمه صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة والذي أوجب الله علينا اتباعه فيه. فالبدعة في الدين طريق غواية وضلال يجب الحذر منه والبعد عنه وهي إضافة إلى ذلك فإنها مخالفة لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومحاربة لما جاء به من الهدى والنور إذ الوقوع في هذا المزلق الخطر الذي هو"البدعة"يترتب عليه أمور خطيرة منها الطعن في الدين لأن لسان حال المبتدع يقول إن الشريعة لم تتم وإنه بقي منها أشياء يجب استدراكها، لأنه لو كان معتقدا لكمالمها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها.
وإضافة إلى ذلك فإن المبتدع معاند للشرع ومشاق له لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك. فالمبتدع بحاله تلك يزعم أن ثم طرقا أخر وليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع وأحاط بما لم يحط به وهذا هو بعينه الضلال المبين الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم البدعة به حين قال:"وكل بدعة ضلالة" [210] .
ومع هذا وذاك فقد تجعل البدعة مع مرور الزمن ونتيجة لانتشارها بين الناس من الدين، فتصبح سنة يستنون بها وبخاصة العوام منهم الذين اعتادوا على التقليد والأخذ بكل ما هو منتشر بين الناس. بينما في الوقت نفسه تصبح السنن لغرابتها والجهل بها بدعا وهذا هو الحال في كل زمان ومكان انتشرت وعمت فيه البدع وقل فيه العلماء بأمور السنة.
وأما الحديث الثالث وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"فهو حكم صريح على كل أمر محدث مبتدع في الدين وليس له أصل في الشرع بالرد وعدم القبول ولاشك أن هذا الحكم بتر لكل ما هو مبتدع في دين الله وشرعه، وإسقاط له. إضافة إلى كونه حماية لشرع الله من كل ما يخل به.
ولقد اتخذ السلف من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن قواعد ساروا عليها في سبيل محافظتهم على السنة وصيانتها من شوائب البدع وشرورها. وإن المتأمل للنصوص الورادة عنهم في هذا الخصوص يلمس مدى حرصهم وتطبيقهم للتوجيهات النبوية التي تلقوها عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" [211] .
وعنه أنه رأى أناسا يسبحون بالحصا فقال:"على الله تحصون لقد سبقتم أصحاب محمد علما أو لقد أحدثتم بدعة ظلما" [212] .
وعنه أنه قال:"الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال:"أخوف ما أخاف على الناس اثنتان أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون".
قال سفيان: هو صاحب البدعة [213] .
وكان حذيفة رضي الله عنه يدخل المسجد فيقف على الخلق فيقول:"يا معشر القراء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا".