فهرس الكتاب
كما ذم سبحانه وتعالى من امتنع عن قبول الحق تقليدا للآباء فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [231] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة، لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه" [232] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة"، قالوا: وما هي يارسول الله؟، قال:"أخاف عليهم زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع" [233] ، ومن المعلوم أن الخوف من زلة العالم تقليده فيها، إذ لولا التقليد لما يخف من زلة العالم على غيره.
قال ابن القيم:"والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولابد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولابد فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولابد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولابد" [234] .
قال الشعبي: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، والقرآن حق، وزلة عالم" [235] ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ويل للأتباع من عثرات العالم". قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟، قال:"يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدع ما كان عليه"وفي لفظ:"فيلقى من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم" [236] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر" [237] .
قال ابن القيم:"والفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم وإهدارأقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان. بل تنظر في صحة الحديث أولا. فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لابد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل اذهب إلى النص ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك أيضا فهلا وافقته إن كنت صادقا؟."
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها، وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم، فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه.
فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلد به ولذلك سمي تقليدا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول فإذا وصل استغنى بدلالته على الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى.
قال الشافعي:"أجمع الناس على أن من استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد" [238] .
ج- محاربتهم للرأي الباطل:
وأما الأمر الثالث من الأمور التي يرى السلف أنها تناقض الاتباع وتضاده فهو"الرأي".