فمحبته صلى الله عليه وسلم شرط في الإيمان الذي لا يتحقق الاتباع إلا بوجوده. ومن جهة أخرى فإن محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات، واتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه. وهو سبحانه أعظم شيء بغضا لمن لم يتبع رسوله. فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
فتأمل هذا التلازم بين محبة الله تعالى ومحبة نبيه صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على وجوب محبته صلى الله عليه وسلم.
تضافرت الأدلة من السنة على تأكيد وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار هذه المحبة من صميم الدين فلا يتم لأحد إيمان إلا بتحقيقها. بل إنه لا يكتفي بوجود أصلها فقط، إذ لابد مع ذلك من تقديم محبته بعد محبة الله على محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين.
ومما يدل على وجوب تقديم محبته صلى الله عليه وسلم على محبة النفس.
أولا: ما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي."
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي". فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر" [90] ."
فالحديث نص على وجوب تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة النفس.
وأما الدليل على وجوب تقديم محبته على محبة الوالد والولد والناس أجمعين:
ثانيا: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده".
ثالثا: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم"
حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" [91] ."
"فالمراد من قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم"أي: لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه أيضا، كما تقدم في حديث عمر رضي الله عنه. فمن لم يكن كذلك، فهو من أصحاب الكبائر إذا لم يكن كافرا، فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل."
وعلى هذا فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر، فلا بد حينئذ من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له، وإلا فالمدعي كاذب.
فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحبها كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [92] ، فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله سمعوا وأطاعوا.
فتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة، ولكن كل مسلم لابد أن يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، كما أن كل مؤمن لابد أن يكون مسلما وكل مسلم لابد أن يكون مؤمنا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق، لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، فإن الاستسلام لله ومحبته لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص.
وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا في الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، وهم مسلمون ومعهم مطلق الإيمان، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد ولو شككوا لشكوا ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحق لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال.