فهرس الكتاب

الصفحة 1312 من 3657

وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات، ولا يرفع عنه النصح لله لو كان من المرض بحال لا يمكنه عمل شيء بشيء من جوارحه بلسان وغيره غير أن عقله ثابت، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وكذلك النصح لله ولرسوله فيما أوجبه على الناس من أمر ربه.

ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى معصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله.

وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض: فبذل المجهود بإيثار الله على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا يكون في الناصح فضلا عن غيره، لأن الناصح إذا اجتهد لمن ينصحه لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته. فكذلك الناصح لربه. ومن تنفل لله بدون الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله، غير محقق للنصح بالكمال" [28] ."

قال القاضي عياض:"نصيحة الله تعالى: صحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بما هو أهله، وتنزيهه عما لا يجوز عليه، والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه، والإخلاص في عبادته [29] ."

وقال الخطابي:"معنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته" [30] .

وقال أبو عمرو بن الصلاح [31] :"النصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصفه الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه" [32] .

وأما النصيحة لكتاب الله: فقال عنها محمد بن نصر المروزي:"وأما النصيحة لكتاب الله: فشدة حبه، وتعظيم قدره - إذ هو كلام الخالق - وشدة الرغبة في فهمه، ثم شدة العناية في تدبره، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم له بعد ما يفهمه."

وكذلك الناصح من القلب، يتفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه عني بفهمه، ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه.

فكذلك الناصح لكتاب الله يُعنى بفهمه ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد، ويديم دراسته بالمحبة له والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه" [33] ."

وقال القاضي عياض:"والنصيحة لكتابه الإيمان به، والعمل بما فيه وتحسين تلاوته، والتخشع عنده، والتعظيم له، وتفهمه، والتفقه فيه، والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين" [34] .

وقال أبو عمرو بن الصلاح:"والنصيحة لكتابه: الإيمان به وتعظيمه، وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه" [35] .

وقال النووي [36] :"وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى: فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخضوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنها تأويل المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته" [37] .

وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال الإمام أحمد:"من مفروضات القلوب النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم" [38]

وقال محمد بن نصر المروزي:"وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته: فبذل المجهود في طاعته، ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عن من يدين بخلاف سنته والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها. وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو هجرة، أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتشبه به في زيه ولباسه" [39] .

وقال القاضي عياض"قال أبو بكر الآجري وغيره: النصح له يقتضي نصحين: نصحًا في حياته، ونصحًا بعد مماته."

ففي حياته نصح أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه، معاداة من عاداه، والسمع والطاعة له، وبذل النفوس والأموال دونه كما قال تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [40] .

وقال تعالى: {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [41] .

وأما نصيحة المسلمين له بعد وفاته: فالتزام التوقير والإجلال، وشدة المحبة له والمثابرة على تعلم سنته، والتفقه في شريعته، ومحبة آل بيته وأصحابه، ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها، وبغضه والتحذير منه والشفقة على أمته، والبحث عن تعريف أخلاقه وسيره وآدابه، والصبر على ذلك [42] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت