ومما يؤكد أن نوال شرف مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة متعلق باتباع شريعته وطاعته، قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [182] ومن الثواب الأخروي الذي يناله المحب لله ولرسوله هو غفران الذنوب وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [183]
فأخبر سبحانه في هذه الآية عن مغفرته لذنوب الذين حققوا محبته ومحبة نبيه على الوجه المطلوب منهم، وهذه منة امتن الله بها على أهل محبته، إذ وعدهم إن هم اتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم وأطاعوه أنه يجزيهم على فعلهم ذلك، ويكرمهم بشرف محبته لهم ويتوج ذلك الشرف العظيم والمنزلة العالية بأن يمحو عنهم خطاياهم ويكفر عنهم سيئاتهم التي اكتسبوها.
ولاشك أن حصول هذين الأمرين أي"المحبة"و"المغفرة"هما غاية ما يتمنى المؤمن الفوز به، فأي فوز أعظم وأكبر من الفوز برضى الله وغفرانه.
فرضى الله هو سبيل كل نعيم دائم مقيم، وغفرانه هو الأمان من كل عذاب أليم. ومن ثمرات محبته صلى الله عليه وسلم ما ورد في ثواب ذكره الذي هو أحد علامات ودلائل محبته فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من صلى علي واحد ة صلى الله عليه عشرا" [184] والصلاة معناها هنا الثناء، فهي ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا والجزاء من جنس العمل، فمن اثنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه [185] . فهذه ثمرة من ثمرات الذكر الذي هو علامة من علامات المحبة.
ومما ورد كذلك حديث أبي بن كعب قال: قلت: يارسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟
قال:"ما شئت". قلت: الربع؟
قال:"ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: النصف؟
قال:"ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟
قال:"ما شئت وإن زدت فهو خير".
قال: أجعل لك صلاتي كلها.
قال:"إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك" [186] .
والعبارة الأخيرة هي موطن الشاهد ههنا، فهذا من الثواب الحاصل من المحبة لأن من أحب شيئا أكثر من ذكره،"وكما أن الذكر من نتائج الحب، فالحب أيضا من نتائج الذكر، فكل منهما وشمر الآخر، وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر، وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة [187] ."
وقد سبق بيان معنى الحديث [188] .
وعلى العموم فإن ثواب كل طاعة من الطاعات إنما هو في الحقيقة ثمرة للمحبة وذلك لأن المحبة أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين.
[1] الآية (111) من سورة البقرة.
[2] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (5/ 46) ح 2678 وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[3] الآية (24) من سورة التوبة.
[4] جامع العلوم والحكم (ص 365) .
[5] جامع العلوم والحكم (ص 366) .
[6] جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص 248) .
[7] الآية (56) من سورة الأحزاب.
[8] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل له الوسيلة (2/ 4) .
[9] أخرجه الإمام أحمد في المسند (5/ 136) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة يوم القيامة، باب 23، (4/ 636، 637) ح 2457 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في المستدرك (2/ 421) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص 8) ح 14، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (1/ 256) . والحديث في إسناده"عبد الله بن محمد بن عقيل"قال ابن القيم: عبد الله بن محمد بن عقيل احتج به الأئمة الكبار كالحميدي وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، والترمذي وغيرهم، والترمذي يصحح هذه الترجمة تارة ويحسنها تارة. جلاء الأفهام (ص 66) وقال الألباني في الصحيحة (954) :"إسناده حسن من أجل الخلاف المعروف في ابن عقيل".
[10] جلاء الأفهام (ص 32) .
[11] أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 201) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"رغم أنف رجل"وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (5/ 551) ح 3546، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 163) . وأخرجه ابن حبان في صحيحه انظر موارد الظمآن رقم (388) وأخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 549) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، أخرجه الطبراني في الكبير (1/ 139/ 2) وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/ 177) حديث صحيح.
[12] الشفا (2/ 573) .