فهرس الكتاب

الصفحة 1367 من 3657

الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين تلك الألفاظ الختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه صلى الله عليه وسلم يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة وهذا مرة.

وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرا بينهما، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال لأنه قصد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ففعل ما لم يفعله قطعا.

ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة فإن الراوي شك هل قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري"أو قال:"وعاجل أمري وآجله" [87] بدل"وعاقبة أمري"والصحيح اللفظ الأول وهو قوله"وعاقبة أمري"لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله"ديني ومعاشي وعاقبة أمري"فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه، فإن المعاش هو عاجل الأمر والعاقبة أجله.

ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال"رواه مسلم [88] .

واختلف فيه فقال بعض الرواة"من أول سورة الكهف".

وقال بعضهم"من آخرها"وكلاهما في الصحيح لكن الترجيح لمن قال:"من أول سورة الكهف"لأن في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان [89] في قصة الدجال"فإذا رأيتموه فاقرأوا عليه فواتح سورة الكهف" [90] ولم يختلف في ذلك، وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث، ومن روى من آخرها لم يحفظه.

الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة.

السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معا كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها إبدال والله أعلم [91]

المطلب الثالث: مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

تتأكد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن إما وجوبا وإما استحبابا مؤكدا [92] ومن هذه المواطن ما يلي:

الموطن الأول: في الصلاة في آخر التشهد:

وهو أهمها وآكدها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته [93] (2) واختلفوا في وجوبه فيها.

فقالت طائفة: ليس بواجب فيها وهذا قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم [94] .

وقالت طائفة: بوجوب ذلك وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد والظاهر أنها آخر قوليه [95] وهي المعتمدة في المذهب [96] وبهذا القول قال جمع من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وأبو جعفر محمد بن على بن الحسين [97] واسحاق بن راهويه [98] .

ولكل واحد من الفريقين أدلته، وهي مبسوطة في كتب الفقه.

وقد جمعها ابن القيم في كتابه القيم جلاء الأفهام [99] فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فليرجع إليه [100] .

وأما ما يتعلق بأدلة مشروعيتها في هذا الموطن فهي بعينها الأدلة التي تقدم ذكرها في المطلب السابق عند الحديث عن كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

الموطن الثاني: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول:

قال ابن القيم:"وهذا قد اختلف فيه"

القول الأول: قال الشافعي في"الأم":"يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول [101] وهذا هو المشهور من مذهبه وهو الجديد، ولكنه يستحب وليس بواجب."

القول الثاني: قال الشافعي في القديم:"لا يزيد على التشهد"وهذه رواية المزني [102] عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك وغيرهم.

واحتج لقول الشافعي بما رواه الدارقطني بسنده عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم" [103] ."

وروى الدارقطني أيضا من حديث عمرو بن شمر عن جابر عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا بريدة إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي فيها، فإنها زكاة الصلاة" [104] .

قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت