وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع، وهذا على أصله فإنه إذا رأي الأكثرين على قول، جعله إجماعا يجب اتباعه.
واحتج الموجبون بحجج:
الحجة الأولى: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" [160] .
ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم ولا يدعى عليهز.
الحجة الثانية: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صعد المنبر فقال:"آمين، آمين، آمين، فقيل له يارسول الله، ما كنت تصنع هذا؟ فقال:"قال لي جبريل رغم أنف عبد دخل عليه رمضان ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنفه عبد أدرك أبويه أو أحدهما الكبر لم يدخل الجنة، فقلت: آمين ثم قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين" [161] "
الحجة الثالثة: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" [162] . وهذا إسناد صحيح والأمر ظاهره الوجوب.
الحجة الرابعة: حديث الحسين بن علي [163] رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" [164] .
وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد أو قعد أبو ذر- فذكر حديثا طويلا- وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي" [165] .
قالوا: فإذا ثبت أنه بخيل فوجه الدلالة به من وجهين:
أحدها: أن البخل اسم ذم، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [166] فقرن البخل بالاختيال والفخر، والآمر بالبخل، وذم على المجموع، فدل على أن البخل صفة ذم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وأي داء أدوأ من البخل" [167] .
الثاني: أن البخيل هو مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله.
الحجة الخامسة: أن الله سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والتسليم عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو كل وقت، فإن الأوامر المكررة إنما تتكرر في أوقات خاصة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت، فتكرار المأمور بتكرار ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أولى لما تقدم من النصوص، فهنا ثلاث مقدمات:
الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، وهذه معلومة.
المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين. وأثبته طائفة. وفرقت طائفة يين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت، فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي، وغيرهما.
ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [168] وقوله {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} [169] وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [170] وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [171] وقوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [172] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} [173] وقوله تعالى: {وَخَافُونِ} [174] .
وقوله: {وَاخْشَوْنِي} [175] ، وقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} [176] ، وقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [177] .
وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كات أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة، وهذا كما قلنا: ان الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع وإن كان لا تعرض لصحة المنهي ولا لفساده في أصل موضوع اللغة، وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون اللفظ متناولا له ولأمثاله، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذا لغة صاحب الشرع وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يعلم صحة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا الفرق يين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، ويين اقتضائه في عرف الشارع وعادة خطابه.