فهرس الكتاب

الصفحة 1418 من 3657

(وأما قول من يقول إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته فهو كلام باطل قطعا لأنه يلزم من ذلك أن يطلب منه أن يخرج إلى الغزوات ويقيم الحدود ويعود المريض فاعلًا ذلك ببدنه كما كان يفعل ذلك في حياته فهل يقول هذا إنسان؟ أو يحتاج رد هذا إلى برهان" [39] ."

فليس عليه بعد الموت فعل من الأفعال لا واجبًا ولا مستحب كما ليس ذلك على غيره من الناس، بل الموت ينتهي به التكليف الثابت في الحياة بإجماع الخلق، فليس على نبي ولا غيره بعد موته أن يفعل ما كان يؤمر به في حال الحياة من واجب ومستحب.

ولا يستطع أحد أن ينقل عن أحد من الصحابة ولا من السلف أنهم بعد موته طلبوا منه إغاثةً ولا نصرًا ولا إعانة ولا استسقوا بقبره ولا استنصروا به كما كانوا يطلبون ذلك منه في حياته" [40] ."

ويفهم من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها تفصيل. فهناك استغاثة جائزة مشروعة وهي:

1-إما بالطلب منه في حياته فيما يقدر عليه وهذه لم ينازع فيها أحد.

2-وإما بالطلب منه في عرصات يوم القيامة أن يشفع لهم وهذه ما دلت عليه النصوص الثابتة.

وهناك استغاثة غير مشروعة بل هي شركية وهي عائدة إلى شيئين:

1-الاستغاثة به بعد موته.

2-أن يطلب منه ما لا يقدر عليه.

وكلا الأمرين يجتمعان فيمن استغاث به بعد موته.

ومن تلفظ بهذه العبارة من المبتدعة فهو يريد بها أحد أمرين إما أن يطلب الإغاثة من الرسول نفسه لاعتقاده أن له تصرفا في هذه الأمور وقدرة على تحصيلها وهذا هو اعتقاد كثير من العوام وهو ما يدل عليه استعمال الكلمة في لغة العرب.

وإما أن يكون مراده بهذه العبارة الطلب من الله بواسطة الرسول أي أنه متوسل به إلى الله تعالى وهذا المعني يأباه استعمال العرب لهذه اللفظة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ومن ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة فقد أخطأ فالمستغاث به هو المسئول."

وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسئول [41] .

(والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاسغاثة به.

وأريد أن أُعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال، فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات وإن كانت باطلة، لم يتمكن من مداواة أصحابها، وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال والاشتباه عليهم أنهم عرفوا أين يقال سألت الله بكذا كما في الحديث"اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان" [42] .

ورأى أن الاستغاثة تتعدى بنفسها كما يتعد السؤال كقوله {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [43] .

وقوله {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [44] .

فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله، سألت بفلان.

والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول أسألك بفلان.

فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان. ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.

وأصل الشبهة على هذا التقدير، أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثا مدعوًا مسؤلًا مطلوبًا منه.

فإذا قيل توسلت به، أو سألت به، أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم. وهم يقولون استغيثه به من الإغاثة كما يقولون استغثت الله واستغثت به من الغوث، فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه.

وإذا قالوا لمخلوق استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤلًا مطلوبًا منه.

وأما إذا قالوا استغثت به من الإغاثة فقد يكون مسؤلًا وقد لا يكون مسؤلًا.

وكذلك استنصرته، واستنصرت به، فإن المستنصر يكون مسؤلًا مطلوبًا.

وأما المستنصر به فقد يكون مسؤلًا وقد لا يكون مسؤلًا. فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به.

وقول القائل: استغثت فلانا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به.

فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله" [45] ."

فإذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتًا كالطلب منه حيًا.

ولا يمكن لأحد أن يذكر دليلا شرعيًا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع. بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة جدًا، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإنابة محظورة على المسلمين لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، لا استحبه أحد من أئمة المسلمين."

وهذا مما يعلم بالاضطرار من المسلمين أن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به نازلة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حسبك أو اقضي حاجتي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين، لمن يدعونهم من الموتى والغائبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت