(8) - سورة فصلت آية: 30-31.
11-أن تأخر النصر فيه ابتلاء وتمحيص للدعاة، وفيه من العبر والدروس ما يفيد اللاحقون منه فوائد جمة. قال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (1) [سورة البقرة، الآية: 214] . وقال: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (2) [سورة العنكبوت، الآية 1 - 3] . والآيات كثيرة معلومة.
وبعد:
فهذه أبرز أسباب تأخر النصر الظاهر حسب ما تبين لي، وقد تتكشف لنا أسباب تأخر النصر، وقد لا تتكشف.
والذي يجب أن نعتقده أن علينا فعل الأسباب الشرعية، سعيا لنصرة دين الله، أما تحقق النصر فليس لنا بل هو لله (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (3) [سورة آل عمران، الآية: 126] .
والنصر لن يتحقق إلا إذا حان موعده في علم الله لا في تقديرنا القاصر.
ولن يتحقق النصر إلا بعد الإيمان الجازم بوعد الله، (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (4) [سورة الروم، الآية: 47] .
أما من عنده شك وريبة فلا يستحق النصر (5) .
2-قد يكون سبب تأخر النصر حدوث مانع من الموانع، والمانع هو: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. والموانع كثيرة جدا، كالظلم والركون للكفار والمعاصي وغيرها. وموانع النصر هي أسباب الهزيمة، ولذلك نجد في غزوة أحد لما بدت علامات النصر ثم وقعت المخالفة من الرماة لأمر الرسول، صلى الله عليه وسلم حلت الهزيمة، كما قال - تعالى-: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (6) [سورة آل عمران، الآية: 165] . قال محمد بن إسحاق وابن جرير والربيع بن أنس والسدي. (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (7) أي بسبب عصيانكم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم حين أمركم ألا تبرحوا مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة. (8) .
وفي حنين لماذا تأخر النصر، يقول - سبحانه-: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (9) .
حيث ذكر الله - سبحانه- أن قول أحد المسلمين لن نغلب اليوم من قلة، وكان عددهم (12) ألفا (10) مانعا من موانع النصر، لأن الله - سبحانه- وكلهم إلى كثرتهم فلم تنفعهم شيئا، ثم تحقق النصر بعد ذلك عندما زال هذا المانع حيث ثبت أن الكثرة وحدها لا تجلب النصر، وإنما الاعتماد على الله -سبحانه- بعد الأخذ بالأسباب.
ومن خلال ما سبق يتضح أهمية مراعاة الأسباب، والحرص على تحصيلها، مع تلافي الموانع واجتنابها.
3-الانحراف عن المنهج
الانحراف عن المنهج مانع من الموانع، ولكن أفردته لأهمية التنبيه عليه، فقد تتبعت بالاستقراء واقع كثير من الجماعات الإسلامية والحركات الجهادية المعاصرة، وبحثت عن سر عدم انتصارها وتحقق ما تعلنه من أهداف خيرة نبيلة، حيث إن تلك الجماعات تسعى لنصرة دين الله، وتحكيم شرعه، فوجدت إن من أبرز الأسباب -حسب ما ظهر لي- انحرافها عن المنهج الصحيح -منهج أهل السنة والجماعة- في ثوابتها أو وسائلها.
وقد يكون الانحراف يسيرا -في نظر البعض- ولكنه خطير جدا ومؤثر في تحقيق النصر.
فمن ذلك التساهل في قضية العقيدة وعدم اعتبارها من الأولويات التي تتميز بها تلك الجماعة.
وكذلك تمييع مفهوم الولاء والبراء، والركون إلى الظالمين ومداهنتهم.
ومن ذلك تأصيل الحزبية، مما يؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين، وتنافر القلوب. وكذلك اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة، وهلم جرا.
إن تحرير الأصول والثوابت، وتنقيتها مما قد يشوبها، أمر جوهري وأساس في سلامة منهج الدعوة وصدق التوجه.
وكذلك عرض كل وسيلة من الوسائل على القواعد والأصول الشرعية، حماية لها من الانحراف تحت ضغط الواقع وحجية المصلحة المتوهمة.
4-عدم نضوج الأمة، وضعف استعدادها إن دين الله عظيم، ويحتاج إلى أمة قد تربّت على هذا الدين زمنا حتى تتمكن من حمله وتبليغه للناس.
(1) - سورة البقرة آية: 214.
(2) - سورة العنكبوت آية: 1-3.
(3) - سورة آل عمران آية: 126.
(4) - سورة الروم آية: 47.
(5) - انظر في ظلال القرآن تفسير سورة الحج 4/2427 ففيه كلام قيم حول بعض ما ذكر.
(6) - سورة آل عمران آية: 165.
(7) - سورة آل عمران آية: 165.
(8) - انظر تفسير ابن كثير 1/425.
(9) - سورة التوبة آية: 25.