فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 3657

قال:فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت: لا . قال: أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ قلت: بل ضعفاؤهم . قال: يزيدون أو ينقصون؟ قلت: لا ، بل يزيدون . قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟ قلت: لا . قال: فهل قاتلتموه ؟ قلت: نعم .قال:فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه .قال: فهل يغدر ؟قلت: لا ، ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها ، ووالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها غير هذه .قال: فهل قال هذا القول أحد قبله ؟ قلت: لا . ثم قال لترجمانه: قل له إني سألتك عن حسبه ؟ فزعمت أنه ذو حسب ، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها . وسألتك هل كان في آبائه ملك ؟ فزعمت أن لا ، فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه . وسألتك عن أتباعه من الناس أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟فقلت بل ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا ، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله . وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟ فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب . وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم . وسألتك هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قاتلتموه ،فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه ، وكذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون لهم العاقبة . وسألتك هل يغدر ؟ فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك هل قال أحد هذا القول قبله ؟ فزعمت أن لا ، فقلت لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله . ثم قال: بم يأمركم ؟ قلت: يأمرنا بالصلاة ،والزكاة ،والصلة ،والعفاف .قال:إن يك ما تقول فيه حقا ،فإنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ! ولم أك أظنه منكم ! ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ! ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ! وليبلغن ملكه ما تحت قدمي !!

ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقرأه فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى . أما بعد:

فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) .

فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده ، وكثر اللغط ،وأمر بنا فأخرجنا. [رواه الإمام البخاري ح/4278 ] ، فهذا دليل بين بأنهم كانوا يعرفون وقت خروجه ومكانه وأوصافه ، لكن حب الدنيا وحب الملك وخوف القتل صدت هرقل عن قبول الحق ، والإيمان به ، فأعلن رفضه له ، ولم يقف موقف الثبات الذي وقفه الأسقف الأكبر في مملكته - معنى الأسقف: رئيس دين النصارى - والذي أقر هرقل بأنه صاحب أمرهم .

فقد أرسل هرقل بالكتاب إلى الأسقف واسمه (ضغاطر) ، فقال الأسقف: هذا الذي كنا ننتظر، وبشرنا به عيسى، أما أنا فمصدقه ومتبعه. فقال له قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي. ثم قال الأسقف لرسول النبي صلى الله عليه وسلم دحية رضي الله عنه: خذ هذا الكتاب واذهب إلى صاحبك فأقرئ عليه السلام ،وأخبره أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأني قد آمنت به وصدقته، وأنهم قد أنكروا عليّ ذلك. ثم خرج إليهم فقتلوه. فلما رجع دحية إلى هرقل قال له: قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر كان أعظم عندهم مني. [الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/42-43] ، فدعا هرقل عظماء الروم ، فجمعهم في دار له فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد ،وأن يثبت لكم ملككم ،فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فقال:علي بهم .فدعا بهم فقال:إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم ،فقد رأيت منكم الذي أحببت .فسجدوا له ورضوا عنه [رواه الإمام البخاري ح/4278 ] .

ومن هذا الحديث نقف على أمرين مهمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت