فهرس الكتاب

الصفحة 1589 من 3657

أما النصارى فيقولون: المقصود بشيلون المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام - . لكنه لا ينطبق على عيسى -عليه السلام- فإنه لم ينسخ التوراة ، قال تعالى في القرآن الكريم على لسان عيسى: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة) [سورة الصف آية رقم 6] ، وقال عيسى -عليه السلام - في الإنجيل: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمل) [إنجيل متى (5:17-18) ، انظر البشارة بنبي الإسلام لـ أحمد حجازي 1/ 70] ، ومن وجه آخر لم يزل الملك من اليهود على يديه - عليه السلام-.

لذلك فإن الذي تنطبق عليه لفظة ( شيلون ) هو محمد - عليه الصلاة والسلام - فإن الملك لم يزل من بني إسرائيل إلا على يد بني إسماعيل، أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. [انظر البشارة بنبي الإسلام لـ أحمد حجازي 1/173] .

ثامنا: أن من أهل الكتاب من صرح لخاصته، وبطانته بأنه هو بعينه، فهذا ورقة بن نوفل، وكان قد خرج لَّما كره عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسأل عن الدين ، فأعجبه دين النصرانية فتنصر ، وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل ، وتعلم منهم ، فجاءته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم - ومعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أخبرها بنزول الملك عليه ، فقالت خديجة - رضي الله عنها - لورقة: يا بن عم ! اسمع من بن أخيك - تعني النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال له ورقة: يا بن أخي! ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجي هم؟) قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي [البخاري ح/2] .

أما خبر سيديْ بني النضير: حيي بن أخطب، وأبو ياسر، فما أعجبه من خبر، يدل على معرفتهم به، ويدل على سبب جحدهم رسالته، وهذا الخبر عنهما ترويه لنا أم المؤمنين صفية بنت حيي - رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم - بعد إسلامها ، قالت:كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه . فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف ، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ، فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى ، فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم ،قالت:وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟! قال: نعم، والله. قال: أتعرفه، وتثبّتَّه؟! قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟! قال:عداوته والله!! [ابن إسحاق ، انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/52 ] .

وهذا كعب بن أسد - سيد بني قريظة - ينصح قومه ، حين حاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نقضهم للعهد الذي بينهم وبينه ، وتحزبهم مع الأحزاب ضد النبي - صلى الله عليه وسلم وأصحابه - فلما أيقنوا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم .قالوا: وما هي ؟ فكان مما عرضه عليهم ، قوله: نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فوالله ، لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ،وإنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . فرفضوا وأبوا [ابن إسحاق ، انظر السيرة النبوية لابن هشام 4/195 ] .

وها هم نصارى نجران يصرحون بنبوته لبعضهم البعض ، فقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتابه إليهم يدعوهم فيه إلى الإسلام ، فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديدا ، ثم دعا أهل الرأي في نجران فأطلعهم على الكتاب ،وتشاوروا فيه ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفداً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاختاروا ستين راكبا ، منهم أربعة عشر من أشرافهم ، يتزعمهم ثلاثة منهم ، وهم: العاقب ، وكان أمين القوم ، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره ، واسمه عبد المسيح ، والسيد ، وكان عالمهم ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، وكان أسقفهم وحبرهم ، وإمامهم وصاحب مراميهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت