ومن الذي ألف حوله قلوب أصحابه و جمعهم على دعوته بعد أن كانوا قبائل متناحرة لا يجمعهم نظام ولا ينقادون تحت لواء [14] ؟ أرأيت كيف استجابوا له في النهاية إذ دعاهم إلى ترك دين أبائهم وأجدادهم إلى عبادة الله وحده وترك الأنفة والفخر إلى ضرب الظهور بالسياط إن شربوا الخمر أو قذفوا إنسانا و قطع الأيدي إن سرقوا أو أفسدوا في الأرض؟ فمن الذي حول طباعهم من الغلظة والبداوة وبعد أن كان أحدهم يأنف أن تسبق ناقته ناقة أخرى إلى رفق الإسلام و رحمته وتواضعه فأصبح السيد والعبد يقفان متجاورين في الصلاة؟ ومن الذي كان يجيب دعائه إذا دعا لأحد من أصحابه؟ ألم يدعُ للمدينة المنورة بأكملها ألا يدخلها طاعون فما دخلها وباء إلى اليوم؟ ألم يدع لقبيلة بأكملها أمام أصحابه أن تسلم وتأتيه فأسلمت عن بكرة أبيها؟ أتراه يغامر لو كان كاذبًا بأمر كهذا؟ أيمكن لرجل أمي أن يغامر ويزعم أنه نبي يؤمن بجميع الأنبياء من قبله من أول آدم مرورًا بموسى وعيسى عليهما السلام ويجعل الكفر بواحد منهم كالكفر بالجميع ثم يتحدى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الموجودين في عهده - بل إلى قيام الساعة - ويناقشهم في أخص أمور دينهم بل ويفضحهم ويواجههم بتحريفهم لكتب أنبيائهم؟ لقد بلغ من تحديه إياهم أنه لما هاجر توجه إلى أحد معاقل اليهود في الجزيرة العربية وهي يثرب -وكان يمكنه أن يهاجر إلى أرض ليس بها أهل كتاب فما الذي دعاه إلى ذلك لو كان من الكاذبين؟ قل لي بربك لو كان هذا الدين من عند نفسه وليس من عند الله فما حاجته للإيمان بالأنبياء السابقين ويدخل في هذه المواجهات [15] مع اليهود والنصارى ويعلن أن إلهه وإلههم واحد ولكنهم هم الذين غيروا شريعته وبدلوا وحرفوا. ثم إنك تجد أن علماء اليهود والنصارى المنصفين يدخلون في دينه أفرادًا وجماعات ويتبعون شريعته منذ أن بعثه الله و إلى اليوم. [16] إن الكثيرين منهم عندما يتجردون من الأهواء والنزعات الشخصية والعصبية فإنهم سرعان ما يبصرون الحق ويعتنقونه بل إن عدداً من المستشرقين والمبشرين النصارى الذين بدئوا حملتهم مصممين على القضاء على الإسلام وإظهار عيوبه المزعومة، أصبحوا هم أنفسهم مسلمين، وما ذلك إلا لأن للحق حجته الدامغة التي لا سبيل إلى إنكارها. قال الله عز وجل:"أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ".
ثم كيف يمكن لرجل عادي - لو كان عاديًا - أن يؤلف وحده شريعة محكمة لا تدع أمرًا من أمور الإنسان إلا ونظمته على الوجه الأمثل بدءًا من طريقة الأكل والشرب حتى نظام الحكم فما تركت خيرًا من أمور الدنيا إلا وأمرت به ولا شرًا إلا و نهت عنه ويشهد بذلك مفكرو الغرب أنفسهم والدراسات الحديثة والفضل ما شهدت به الأعداء. وما زالت إلى اليوم هذه الشريعة معينا لا ينضب للباحثين والعلماء يستخرجون منها من الحكم الباهرة والأحكام الدقيقة ما يدعو الناس للإيمان والتصديق. [17] كيف أمكن لرجل بمفرده- لو كان بمفرده- أن يحدث أكبر تغيير ديني وحضاري وسياسي واجتماعي في العالم استمر إلى الآن حتى إن مفكري الغرب عندما اجتمعوا لكي يحددوا المائة الأوائل الذين كان لهم أكبر تأثير في تاريخ البشرية جعلوا محمدًا على رأسهم وظهر ذلك في كتاب المائة الأوائل لمايكل هارت [18] ألم تمر على أمة الإسلام مائتا عام إلا وكان المسلمون يعيشون نهضة علمية في شتى المجالات في حين كانت أوروبا ترزح تحت جبال من الجهل والتخلف والخرافات؟!