فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 3657

والثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية، صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجه معها أين توجهت ركائبها، وينزل معها أين استقلت مضاربها.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.

وقال ابن عيينة في قوله تعلى: ]وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا [ [السجدة: 24] ، قال:"أخذوا برأس الأمر فجعلم رؤساء".

تنبيه هام:

والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل، والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال: ]إنما أشكو بثي وحزني إلى الله [ [يوسف: 86] ، وكذلك أيوب أخبر الله عنه: أنه وجده صابرًا مع قوله: ]مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ [الأنبياء: 83] .

وإنما ينافى الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأى بعضهم رجلًا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثم أنشد:

وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

4 -الصبر في المحن وكيف نحصله:

أما الصبر في المحن على أذى الظالمين، وعند النوازل فإن العبد يستجلبه ويستعين عليه بثلاث أشياء:

أحدها:"ملاحظة حسن الجزاء"وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخف حمل البلاء، لشهود العوض، وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها، لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة، وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة، فالنفس موكلة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب، ومطالعة الغايات.

وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة، حصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإنه على قدر التعب تكون الراحة.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكريم الكرائم

ويكبر في عين الصغير صغيرها وتصغر في عين العظيم العظائم

والقصد: أن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك وغير اختيارك.

والثاني: انتظار الفرج.

أي: راحته ونسيمه ولذته، فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج، فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرح ونسيمه وراحته: ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل، وبه - يفهم معنى اسمه"اللطيف".

والثالث: تهوين البلية، بأمرين:

أحدهما: أن يعد نعم الله وأياديه عنده، فإذا عجز عن عدها، وأيس من حصرها، هان عليه ماهو فيه من البلاء، ورآه - بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه - كقطرة من بحر.

الثاني: تذكر سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن: يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء، وانتظار الجزاء، وانتظار روح الفرج: يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدنيا، والثاني يوم الجزاء.

وفي ختام الحديث عن الصبر نقول:"فعلى وهج النار الملتهبة نار الفتنة بجمع أنواعها تتميز معادن الناس، فينقسمون إلى مؤمنين صابرين، وإلى مدعين أو منافقين، وينقسم المؤمنون إلى طبقات كثيرة؛ بحسب شدة صبرهم وقوة احتمالهم"اهـ [سلسلة رسائل الغرباء (3) ص 201] .

ثم نضيف:"فالمراحل التي تمر بها حياة المؤمنين المجاهدين؛ من العلماء والدعاة؛ ممن صدقوا في دعوى الإيمان، واستحقوا أن يمنحهم الله قيادة البشرية بالإسلام؛ هي: الابتلاء، ثم الصبر، ثم العاقبة" [نفس المصدر، ص 205] .

فاعقل أخي المؤمن هذه المراحل والزمها وتعقبها في سير الأولين لتكون على بينة مما نقول واعلم: أن النصر مع الصبر، وأنه لا يتسع الأمر إذا إذا ضاق، وأنه بعد العسر يسرًا.

قال تعالى: ]ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ميل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين [ [الأنعام: 24] uuu

[1] [1] - نقلًا عن ابن كثير، مع تصرف يسير.

[2] [2] - رواه البخاري (21) ، ومسلم (43) .

[3] [3] - تقدم تخريجه.

[4] [4] - رواه البخاري (7485) ، ومسلم (3637) ، ومالك 2/953، والترمذي 3160 عن أبي هريرة.

[5] [5] - أخرجه البخاري (7375) ، ومسلم (813) .

[6] [6] - رواه البخاري ومسلم.

[7] [7] - رواه البخاري.

[8] [8] -رواه البخاري.

[9] [9] - صحيح رواه أحمد وابن حبان عن ابن عمر.

[10] [10] - روي بلفظ"إنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما انقيد انقاد"رواه أحمد 4/126، وابن ماجه (43) ، والحاكم 1/96 عن العرباض بن سارية في حديث طويل وإسناده قوي.

[11] [11] - رواه مسلم (2865) ، وأبو داود (3895) ، وابن ماجة (4179) ، وله شواهد عن أنس عند البخاري في الأدب المفرد (426) ، وابن ماجة (4214) .

[12] [12] - رواه مسلم (91) ، والبغوي (3587) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت