فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 3657

21ـ و معلوم أن من سب الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) فقد فعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول و بدأنا أول مرة ثم قال تعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم و يخزهم و ينصركم عليهم و يشف صدور قوم مؤمنين و يذهب غيظ قلوبهم } [ التوبة: 15 ] فعلم أن تعذيب هؤلاء و إخزاءهم و نصر المؤمنين عليهم و شفاء صدورهم بالإنتقام منهم و ذهاب غيظ قلوبهم مما أذوهم به أمر مقصود للشارع مطلوب في الدين و معلوم أن هذا المقصود لا يحصل ممن سب النبي ( صلى الله عليه و سلم ) و آذى الله تعالى و رسوله و عباده المؤمنين إلا بقتله لا يحصل بمجرد استرقاقه و لا بالمن عليه و المفاداة به.

22ـ و كذلك أيضا تنكيل غيره من الكفار الذين قد يريدون إظهار السب لا يحصل على سبيل التمام إلا بذلك و لا يعارض هذا من نقض العهد في طائفة ممتنعة إذا أسرنا واحدا منهم لأن قتال أولئك و الظهور عليهم يحصل هذا المقصود بخلاف من كان في أيدينا قبل السب و بعده فإن لم يحدث فيه قتلًا لم يحصل هذا المقصود.الصارم المسلول 1/392

23 ـ أن الذمي إذا سب النبي ( صلى الله عليه و سلم) فقد صدر منه فعل تضمن أمرين أحدهما: انتقاض العهد الذي بيننا و بينه الثاني: جنايته على عرض رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) و انتهاكه حرمته و إيذاء الله و رسوله و المؤمنين و طعنه في الدين و هذا معنى زائد على مجرد كونه كافرا قد نقض العهد ونظير ذلك أن ينقضه بالزنا بمسلمة أو بقطع الطريق على المسلمين و قتلهم و أخذ أموالهم أو بقتل مسلم فإن فعله ـ مع كونه نقضا للعهد ـ قد تضمن جناية آخرى فإن الزنا و قطع الطريق و القتل من حيث هو هو جناية منفصلة عن نقض العهد له عقوبة تخصه في الدنيا و الآخرة زائدة على مجرد عقوبة التكذيب بنبوية ، و الدليل عليه قوله سبحانه و تعالى: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب: 57 ] فعلق اللعنة في الدنيا و الآخرة و العذاب المهين بنفس أذى الله و رسوله فعلم أنه موجب ذلك و كذلك قوله تعالى: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } [ التوبة: 12 ] .

24 ـ يوضح ذلك أن النبي ( صلى الله عليه و سلم ) لما دخل مكة آمن الناس الذين كانوا يقاتلونه قبل ذلك و الذين نقضوا العهد الذي كان بينه و بينهم و خانوه ، إلا نفرا منهم القينتان اللتان كانتا تغنيان بهجائه و سارة مولاة بني عبد المطلب التي كانت تؤذيه بمكة.

فإذا كان قد أمر بقتل التي كانت تهجوه من النساء ـ مع أن قتل المرأة لا يجوز إلا إذا قاتلت و هو (صلى الله عليه و سلم) قد آمن جميع أهل مكة من كان قد قاتل و نقض العهد من الرجال و النساء ـ علم بذلك أن الهجاء جناية زائدة على مجرد القتال و الحراب ، لأن التفريق بين المتماثلين لا يقع من النبي ( صلى الله عليه و سلم ) كما أنه بقتل ابن خطل لأنه كان قد قتل مسلمًا و لأنه كان مرتدًا و لأنه كان يأمر بهجائه و كل واحد من القتل و الردة و الأمر بهجائه جناية زائدة على مجرد الكفر و الحراب.

26 ـ و مما يبين ذلك أنه قد كان أمر بقتل من كان يؤذيه بعد فتح مكة ـ مثل ابن الزبعرى و كعب بن زهير و الحويرث بن نقيد و ابن خطل و غيرهم ـ مع أمانه لسائر أهل البلد وكذلك أهدر دم أبي سفيان بن الحارث و امتنع من إدخاله عليه و إدخال عبد الله بن أبي أمية لما كانا يقعان في عرضه ـ و قتل ابن أبي معيط و النضر بن الحارث دون غيرهما من الأسرى و سمى من يبذل نفسه في قتله ناصرًا لله و رسوله و كان بندب إلى قتل من يؤذيه و يقول: [ من يكفني عدوي[ .

27 ـ السب جناية زائدة على الكفر .

28ـ السب جناية لها موقع يزيد على سائر الجنايات بحيث يستحق صاحبها من العقوبة مالا يستحقه غيره و إن كان كافرًا حربيًا مبالغًا في محاربة المسليمين و أن وجوب الانتصار ممن كان هذه حالة كان مؤكدًا في الدين و السعي في إهدار دمه من أفضل الأعمال و أوجبها و أحقها بالمسارعة إليه و ابتغاء رضوان الله تعالى فيه و أبلغ الجهاد الذي كتبه الله على عباده و فرضه عليهم .

29 ـ و من تأمل الذين أهدر النبي ( صلى الله عليه و سلم ) دماؤهم يوم الفتح و اشتد غضبه عليهم حتى قتل بعضهم في نفس الحرم و أعرض عن بعضهم و انتظر قتل بعضهم وجد لهم جرائم زائدة على الكفر و الحراب من ردة و قتل و نحو ذلك و جرم أكثرهم إنما كان من سب رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) و أذاه بألسنتهم فأي دليل أوضح من هذا على أن سبه و هجاءه جناية زائدة على الكفر و الحراب ، لا يدخل في ضمن الكفر كما يدخل سائر المعاصي في ضمن الكفر و على أن المعاهدين إذا نقضوا العهد و فيهم من سب النبي ( صلى الله عليه و سلم ) كان للسب عقوبة زائدة على عقوبة مجرد نقض العهد.الصارم المسلول 1/292

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت