-قال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة، لأنه قال: (فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ) ، وأعلمهم أنهم (لَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) ، فلم يتمنه واحداً منهم.
-وعن النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه. يعني يموت مكانه.
فصرفهم الله عن تمنيه وجزعهم، ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه، إذا لم يتمنه أحد منهم، وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا، ولكن الله يفعل ما يريد، فظهرت بذلك معجزته، وبانت حجته.
-قال أبو محمد الأصيلي: من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم جماعة، ولا واحد، من يوم أمر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ـ يقدم عليه، ولا يجيب إليه. وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم.
قلت: قال السيوطي في الدر المنثور:
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في هذه الآية قال: قل لهم يا محمد {إن كانت لكم الدار الآخرة} يعني الجنة كما زعتم {خالصة من دون الناس} يعني المؤمنين {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} إنها لكم خالصة من دون المؤمنين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن كنتم في مقالتكم صادقين قولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه، فأبوا أن يفعلوا وكرهوا ما قال لهم، فنزل {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} يعني عملته أيديهم {والله عليم بالظالمين} أنهم لن يتمنوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية: والله لا يتمنونه أبدا".
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فتمنوا الموت} أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (قل إن لكم الدار الآخرة) يعني الجنة {خالصة} خاصة {فتمنوا الموت} فاسألوا الموت {ولن يتمونه أبدا} لأنهم يعلمون أنهم كاذبون {بما قدمت} قال: أسلفت.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لو تمنى اليهود الموت لماتوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار".
وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى، حيث وفد عليه أساقفة نجران وأبوْا الإسلام، فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران: 61) .
فامتنعوا منها، ورضوا بأداء الجزية، وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم: قد علمتم أنه نبي، وأنه ما لاعن قوماً نبي قط فبقي كبيرهم ولا صغيرهم.
قلت: قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية الكريمة:
قال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي نحضرهم في حال المباهلة {ثم نبتهل} أي نلتعن {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} أي منا أو منكم.
وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران, أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية, فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم, قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكباً, فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم وهم: العاقب واسمه عبد المسيح, والسيد وهو الأيهم, وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل, وأويس بن الحارث, وزيد, وقيس, ويزيد ونبيه, وخويلد, وعمرو, وخالد, وعبد الله, ويُحَنّس, وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب, وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم, والذي لا يصدرون إلا عن رأيه, والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم, وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم, وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل, ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه, وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم, وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة, ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.