فهرس الكتاب

الصفحة 1844 من 3657

وسوف نرى أيضاً التطابق الكامل بين ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي، وبين ما توصل إليه العلماء في القرن الحادي والعشرين. وأن هذا الحديث الشريف هو من دلائل نبوّة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأنه حقاً كما وصفه الله تعالى بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3-4] .

حقائق تاريخية

ظلت ظاهرة البرق حدثاً مخيفاً ومحيِّراً للعلماء على مدى قرون طويلة، ونُسجت الأساطير الكثيرة حول منشأ البرق وتأثيراته، فكل حضارة كانت تنظر إلى هذه الظاهرة على أنها حدث مقدس يرتبط بالآلهة، وكل حضارة كانت تحاول إعطاء تفسير لهذا الحدث المرعب. ففي الميثولوجيا الإغريقية مثلاً كان البرق هو سلاح الإله زيوس، الذي استخدمه لقتل أعدائه (3) . على حد زعمهم المفترى.

ثم جاء العصر الحديث عندما قام العلماء بتجارب متعددة منذ منتصف القرن السابع عشر الميلادي وحتى يومنا هذا، أي على مدى أكثر من قرنين ونصف، قام خلالها العلماء بآلاف التجارب في سبيل فهم هذه الظاهرة المحيرة، والتي لا تزال التفاصيل الدقيقة مجهولة تماماً بالنسبة لنا حتى الآن.

ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر قام بنيامين فرانكلين Benjamin Franklin بأول تجربة علمية منظّمة أثبت من خلالها الطبيعة الكهربائية للبرق، وأن البرق ما هو إلا شرارة كهربائية ناتجة عن التقاء شحنتين كهربائيتين متعاكستين. فقد قام هذا العالم بربط سلك من الحرير إلى طائرة ورقية وأرسله عالياً أثناء وجود غيوم كثيفة وممطرة، أي أثناء وجود عاصفة رعدية، وربط نهاية السلك بقضيب معدني وغلفه بعازل من الشمع لكي لا تتسبب الشرارة القوية بقتله.

وقد نجحت التجربة، وعندما قرَّب القضيب من الأرض انطلقت شرارة قوية تشبه شرارة البرق، فأثبت بذلك هوية البرق الكهربائية وآلية حدوثه، ولكن النتائج التي حصل عليها كانت متواضعة جداً ولم يستطع إدراك العمليات الدقيقة التي تسبب هذه الشرارة القوية.

أما الفيزيائي السويدي رتشمان G. W. Richmann, والذي قام بتجربة أثبت فيها أن الغيوم الرعدية تحوي شحنات كهربائية، وقد قُتِل بسبب صدمة البرق التي تعرض لها أثناء قيامه بالتجارب. واستمرت التجارب، ولكن المعرفة بالبرق بقيت متواضعة حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما أصبح التصوير الفوتوغرافي ممكناً، عندها أصبح بإمكان العلماء التقاط صور لومضات البرق ومن ثم تحليلها ومعرفة بعض تفاصيلها التي لا تدركها عين الإنسان.

ولكن أجهزة التصوير كانت بطيئة وبقيت العمليات الدقيقة التي ترافق ظاهرة البرق مجهولة حتى الستينات من القرن العشرين، حيث تطورت التجارب وازداد الاهتمام بها لتجنب صدمات البرق التي تتعرض لها المراكب الفضائية والطائرات والمنشآت الصناعية. وقد أمكن استخدام التصوير السريع والمراكب الفضائية والرادارات والحاسوب لمعالجة ودراسة البيانات التي قدمتها مختبرات مراقبة البرق (4) .

وقد استطاع العلماء أخيراً بفضل التصوير فائق السرعة والمعالجة الرقمية للبيانات أن يثبتوا أن ومضة البرق الواحدة قد تتألف من عدة ضربات، وكل ضربة تتألف من عدة مراحل أو أطوار. وقد تم قياس الأزمنة لكل مرحلة بدقة كبيرة، ورؤية هذه المراحل، ولم يتحقق هذا إلا في نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين.

أنواع البرق

قبل البدء بالتعرف على أسرار البرق وتفاصيله الدقيقة نود أن نعرِّف القارئ الكريم بأهم أنواع البرق والتي قد لا تخطر بباله، لبيان مدى تعقيد هذه الظاهرة والتنوع الكبير في ضربات البرق، فالبرق يمكن أن يضرب في أي مكان على الأرض أو في السماء.

يحدث البرق على عدة أنواع حسب مكان وجود الشحنتين الموجبة والسالبة. وقد دلّت الإحصائيات الحديثة أنه في كل ثانية هنالك مئة ضربة برق على سطح الكرة الأرضية (Uman,1984) . وجميع هذه الضربات متشابهة من حيث آلية الحدوث وزمنه.

أكثر الأنواع شيوعاً وأهمية هو البرق الناتج من التقاء شحنتين متعاكستين بين الغيمة والأرض. فغالباً ما تكون الغيمة ذات شحنة سالبة عند الجهة القريبة من الأرض، أما سطح الأرض فيكون ذا شحنة موجبة، ويسمي العلماء هذا النوع"غيمة-أرض"أي Cloud-Groundواختصاراً يرمز لهذا النوع بالحرفين CG.

أما النوع الثاني فهو ما يحدث بين الغيمة وغيمة أخرى، وبما أن الوسط الذي تتجمع فيه الغيوم يمتلئ بالحقول الكهربائية فإن احتمال تلامس الشحنات المتعاكسة والتقائها كبير جداً، ولذلك فإن هذا النوع يمثل ثلاثة أرباع ضربات البرق، والتي تقدر كما قلنا بمئة ضربة في كل ثانية وذلك في مختلف أنحاء العالم. ويعرف هذا النوع ببرق"غيمة-غيمة"أي Cloud-Cloudويرمز له بالحرفين CC.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت