فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 3657

وعندما أراد الله أن يعرف المسلمين بأمتهم التي تجمعهم على مدار القرون ، عرفها لهم في صورة أتباع الرسل كل في زمانه وقال لهم في نهاية استعراض أجيال هذه الأمة: { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } ولم يقل للعرب: إن أمتكم هي الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها سواء! ولا قال لليهود: إن أمتكم هي بنو إسرائيل أو العبرانيون في جاهليتهم وإسلامهم سواء! ولا قال لسلمان الفارسي: إن أمتك هي فارس! ولا لصهيب الرومي: إن أمتك هي الرومان! ولا لبلال الحبشي: إن أمتك هي الحبشة! إنما قال للمسلمين من العرب والفرس والروم والحبش: إن أمتكم هي المسلمون الذين أسلموا حقًا على أيام موسى وهارون ، وإبراهيم ، ولوط ، ونوح ، وداود وسليمان ، وأيوب ، وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون ، وزكريا ويحيى ، ومريم . . كما جاء في سورة الأنبياء: [ آيات 48 91 ] .

هذه هي أمة « المسلمين » في تعريف الله سبحانه . . فمن شاء له طريقًا غير طريق الله فليسلكه . ولكن ليقل: إنه ليس من المسلمين! أما نحن الذين اسلمنا لله ، فلا نعرف لنا أمة إلا الأمة التي عرفها لنا الله . والله يقص الحق وهو خير الفاصلين . .

وحسبنا هذا القدر مع إلهامات قصة نوح في هذه القضية الأساسية في هذا الدين .

ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله سبحانه:

إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام ، تذكر بعض الروايات انهم اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عامًا كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن . .

إن هذه الحفنة وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون؛ وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض!

وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها والإستخلاف من جديد

.. وهذا أمر خطير . .

إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها؛ والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة؛ كما تعاني من الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل .

إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلًا أمام هذا الأمر الخطير ، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير!

إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى . . شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعًا؛ كما يستحق منه سبحانه ان يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد!

لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه ، كما قال تعالى: { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } . .

وعندما لجأ نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترونه عليه كما قال الله تعالى في سورة القمر:

{ كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه { مغلوب } ويدعو ربه أن « ينتصر » هو وقد غُلب رسوله . . عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده المغلوب:

{ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر } وبينما كانت تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع الموهوب . . كان الله سبحانه بذاته العلية مع عبده المغلوب:

{ وحملناه على ذات ألواح ودسر . تجري بأعيننا . . جزاء لمن كان كفر . . } هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية؛ وحين « تغلبها » الجاهليه!

إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة . . وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان . فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى! { وما يعلم جنود ربك إلا هو } وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها؛ وإلا أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه؛ وإلا أن تصبر حتى يأتي الله بأمره ، وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه ، إلا فترة الإعداد والابتلاء؛ وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء .

وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم . .

إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية . كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى و هو عبده الذي يستنصر به فيدعوه: { أني مغلوب فانتصر } إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة و لا متقاربة . . إن الجاهلية تملك قواها . . و لكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت