لقد كانت بين الرومان والفرس عداوات عمرها قرون . . ولكن ما إن ظهر الإسلام في الجزيرة؛ وأحست الكنيسة بخطورة هذا الدين الحق على ما صنعته هي بأيديها وسمته « المسيحية » وهو ركام من الوثنيات القديمة ، والأضاليل الكنسية ، متلبسًا ببقايا من كلمات المسيح - عليه السلام - وتاريخه . . حتى رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم من نزاعات تاريخيه قديمة وعداوات وثارات عميقة ، ليواجهوا هذا الدين الجديد .
ولقد أخذ الروم يتجمعون في الشمال هم وعمالهم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين . وذلك بعد أن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عامل بصرى من قبل الروم - وكان المسلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا برسول النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوه - مما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث بجيش الأمراء الشهداء الثلاثة: زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة في غزوة « مؤتة » فوجدوا تجمعًا للروم تقول الروايات عنه: إنه مائة ألف من الروم ومعه من عملائهم في الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى؛ وكان جيش المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل . وكان ذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة .
ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم هذه السورة ( وسيجيء تفصيل القول فيها في موضعه إن شاء الله تعالى ) .
ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته؛ ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر - رضي الله عنه - إلى أطراف الشام؛ لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين!
ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة ، التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال إفريقية وجزر البحر الأبيض . ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية .
إن « الحروب الصليبية » المعروفة بهذا الاسم في التاريخ ، لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام ، لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير . . لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد . . منذ أن نسي الرومان عداواتهم مع الفرس؛ وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة . ثم بعد ذلك في « مؤتة » . ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة . . ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عندما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربة ، وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيرًا من قبل . . وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم؛ ولا تراعي في المسلمين إِلاًّ ولا ذمة .
ومما جاء في كتاب « حضارة العرب » لجوستاف لوبون - وهو فرنسي مسيحي -:
« كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين ، ثلاث آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه ، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم . ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب ، مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل ، الذي رحم نصارى القدس ، فلم يمسهم بأذى ، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد ، أثناء مرضهما » .
كذلك كتب كاتب مسيحي آخر ( اسمه يورجا ) يقول:
« ابتدأ الصليبيون سيرهم على بيت المقدس بأسوأ طالع ، فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور التي استولوا عليها . وقد أسرفوا في القسوة فكانوا يبقرون البطون . ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء! أما صلاح الدين ، فلما استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبيين ، ووفى لهم بجميع عهوده ، وجاد المسلمون على أعدائهم ووطأوهم مهاد رأفتهم ، حتى أن الملك العادل ، شقيق السلطان ، أطلق ألف رقيق من الأسرى ، ومنّ على جميع الأرمن ، وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة ، وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن » .
ولا يتسع المجال في الظلال لاستعراض ذلك الخط الطويل للحروب الصليبية - على مدار التاريخ - ولكن يكفي أن نقول: إن هذه الحرب لم تضع أوزارها قط من جانب الصليبية . ويكفي أن نذكر ماذا حدث في زنجبار حديثًا . حيث أبيد المسلمون فيها عن بكرة أبيهم ، فقتل منهم اثنا عشر ألفًا وألقي الأربعة الآلاف الباقون في البحر منفيين من الجزيرة! ويكفي أن نذكر ماذا وقع في قبرص ، حيث منع الطعام والماء عن الجهات التي يقطنها بقايا المسلمين هناك ليموتوا جوعًا وعطشًا ، فوق ما سلط عليهم من التقتيل والتذبيح والتشريد! ويكفي أن نذكر ما تزاوله الحبشة في اريترية وفي قلب الحبشة ، وما تزاوله كينيا مع المائة ألف مسلم الذين ينتمون إلى أصل صومالي ، ويريدون أن ينضموا إلى قومهم المسلمين في الصومال! ويكفي أن نعلم ماذا تحاوله الصليبية في السودان الجنوبي!