نصوص القرآن الأمين (واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبلُ الله من المتقين * لئن بسطت إلىَّ يدك لتقتلنى ما أنا بباسطٍ يدى إليك لأقتلك إنى أخافُ الله ربَّ العالمين * إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين* فطوعت له نفسهُ قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليُرِيَهُ كيف يوارى سوءة أخيه * قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارىَ سوءة أخى فأصبح من النادمين * من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) (6) .
الفروق بين المصدرين اتفق المصدران حول نقطتين اثنتين لا ثالث لهما واختلفا فيما عداهما. اتفقا فى: مسألة القربان. وفى قتل أحد الأخوين للآخر. أما فيما عدا هاتين النقطتين فإن ما ورد في القرآن يختلف تماماً عما ورد في التوراة ، وذلك على النحو الآتى:
التوارة/القرآن الأمين تسمى أحد الأخوين بقابين وهو"القاتل"والثانى"هابيل"كما تصف القربانين وتحدد نوعهما./ لايسميهما ويكتفى ببنوتهما لآدم كما اكتفى بذكر القربانين ولم يحددهما.
تروى حواراً بين قابين والرب بعد قتله أخاه ،وتعلن غضب الرب على قابين وطرده من وجه الرب إلى أرض بعيدة./ لا يذكر حواراً حدث بين القاتل وبين الله ، ولا يذكر أن القاتل طرده الله من وجهه إلى أرض بعيدة ، إذ ليس على الله بعيد.
التوراة تخلو من أى حوار بين الأخوين./ يذكر الحديث الذى دار بين ابنى آدم ويفصل القول عما صدر من القتيل قبل قتله وتهديده لأخيه بأنه سيكون من أصحاب النار إذا قتله ظلماً..
لا مقابل في التوراة لهذه الرواية ولمْ تبين مصير جثة القتيل ؟! / يذكر مسألة الغراب ، الذى بعثه الله لٍِيُرى القاتل كيف يتصرف في جثة أخيه ، ويوارى عورته.
تنسب الندم إلى"قابين"القاتل لما هدده الله بحرمانه من خيرات الأرض ، ولا تجعله يشعر بشناعة ذنبه./ يصرح بندم"القاتل"بعد دفنه أخيه وإدراكه فداحة جريمته.
لا هدف لذكر القصة في التوراة إلا مجرد التاريخ. فهى معلومات ذهنية خالية من روح التربية والتوجيه.
/يجعل من هذه القصة هدفاً تربوياً ويبنى شريعة القصاص العادل عليها. ويلوم بنى إسرائيل على إفسادهم في الأرض بعد مجىء رسل الله إليهم.
أضف إلى هذه ما تحتوى عليه التوراة من سوء مخاطبة"قابين"الرب ، فترى في العبارة التى فوق الخط:"أحارس أنا لأخى"فيها فظاظة لوصدرت من إنسان لأبيه لعد عاقًّا جافًّا فظًّا غليظًّا فكيف تصدر من"مربوب"إلى"ربه"وخالقه..؟!
ولكن هكذا تنهج التوراة فلا هى تعرف"قدر الرب"ولا من تنقل عنه حواراً مع الرب.
ولا غرابة في هذا فالتوراة تذكر أن موسى أمر ربه بأن يرجع عن غضبه على بنى إسرائيل ، بل تهديده إياه سبحانه بالاستقالة من النبوة إذا هو لم يستجب لأمره.
والواقع أن ما قصَّهُ علينا القرآن وهو الحق من أمر ابنى آدم مختلف تماماً عما ورد في التوراة في هذا الشأن.
فكيف يقال: إن القرآن اقتبس هذه الأحداث من التوراة وصاغها في قالب البلاغة العربية ؟!
إن الاختلاف ليس في الصياغة ، بل هو اختلاف أصيل كما قد رأيت من جدول الفروق المتقدم.
والحاكم هنا هو العقل فإذا قيل: إن هذه القصة مقتبسة من التوراة قال العقل:
* فمن أين أتى القرآن بكلام الشقيق الذى قتل مع أخيه ، وهو غير موجود في نص التوراة التى يُدعى أنها مصدر القرآن ؟!
* ومن أين أتى القرآن بقصة الغراب الذى جاء ليُرى القاتل كيف يوارى سوءة أخيه وهى غير واردة في التوراة المُدَّعى أصالتها للقرآن ؟!
* ولماذا أهمل القرآن الحوار الذى تورده التوراة بين"الرب"وقابين القاتل وهذا الحوار هو هيكل القصة كلها في التوراة ؟!
إن فاقد الشىء لا يعطيه أبداً ، وهذا هو حكم العقل. والحقائق الواردة في القرآن غير موجودة في التوراة قطعاً فكيف تعطى التوراة شيئاً هى لم تعرف عنه شيئاً قط..؟!
لا.. إن القرآن له مصدره الخاص به الذى استمد منه الوقائع على وجهها الصحيح ، ومجرد التشابه بينه وبين التوراة فى"أصل الواقعة"لا يؤثر في استقلال القرآن أبداً.
الصورة الثالثة من صورالتشابه بين التوراة والقرآن مقارنة بين بعض التشريعات المحرمات من النساء قارَنَّا فيما سبق بين بعض المسائل التاريخية التى وردت في كل من التوراة والقرآن الأمين. وأثبتنا بأقطع الأدلة أن القرآن له سلطانه الخاص به فيما يقول ويقرر ، ورددنا دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة. وبَيَّنَّا حكم العقل في هذه الدعوى كما أقمنا من الواقع"المحكى"أدلة على ذلك.