هذه الآية ، والتركيب الذى حسبوه أو عاندوا وقالوا إنه خطأ لغوى نحوى ، إنما هى لمحة قرآنية تتعلق بعقيدة توحيد الله عز وجل.
ومثيرو هذه الشبهات ، لا يعرفون عن حقيقة"التوحيد"شيئاً ، وضوابطهم فيه مثل الغربال إذا وضع فيه سائل لا يبقى فيه منه شىء.
وقد فات هؤلاء أمر عظيم ، ترتب عليه جهل شنيع ذلك أنهم لم يعرفوا أصلاً ، أو لم يستحضروا في أذهانهم وهم يسطرون هذه الشبهة ، متى يُثنَّى المعدود ، ومتى يجمع ، ومتى يظل مفرداً.
وهى من البديهات ، بيان ذلك: أن هناك شرطاً موضوعيًّا في تثنية المعدود وجمعه ذلك الشرط هو:
التجانس بين الأفراد في الواقع ، فقَلَم يثنى فيقال: قلمان ويجمع فيقال أقلام.
لكن حماراً ـ مثلاً ـ لا يثنى مع القلم ولا يجمع ، لأنك لو ثنيت القلم والحمار ، فقلت قلمان ، أو حماران ، وأنت تريد قلماً وحماراً لم يفهم أحدٌ من العقلاء ما تريد.
وحتى الرجل والمرأة ، وهما فردان بينهما تجانس من جهة ، واختلاف من جهة أخرى. فإنك لا تستطيع أن تثنيهما فتقول: رجلان ، أو تقول: امرأتان ، وأنت تريد رجلاً وامرأة. هذا لا يجوز عند العقلاء ، ولا يجوز في الواقع الذى يحسه الناس ويحترمونه.
هذا التمهيد ضرورى جدًّا لبيان لماذا ورد في القرآن"أن يُرضوه"دون أن يُرضوهما كما اقترح مثيرو هذه الشبهات ؟ وذلك لأنه ليس بين الله ، وبين رسوله ، ولا بين الله وبين أىِّ شىء في الوجود تجانس من أى نوع من الأنواع.
فالله هو الفرد الصمد ، الواحد الأحد ، الذى لم يلد فليس له ولد ، ولم يولد فليس له أم ولا أب. هو الخالق البارئ المصوِّر ، ليس له كفواً أحد ، وليس كمثله شىء في الوجود وغيره ، هو المخلوق المبروء المصوَّر (اسم مفعول) .
من أجل هذا ؛ فإن الله لا يُجمَع ولا يُثنىَّ. لا في ذاته ولا مع أحدٍ من خلقه.
وعلى هذا جرى بيان القرآن المعجز ، فلم يقل كما يقترح هؤلاء الغافلون:
والله ورسوله أحق أن يُرضوهما. لأن الله ليس فرداً من جنس الأفراد الذين ينتمى إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم .
بل هو فرد لا مثيل له في الوجود أبداً ، فلا يكون مع غيره ثانى اثنين ، أو ثالث ثلاثة ، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
فالخطأ كل الخطأ هو ما توهمه مثيرو هذه الشبهات. أما ما عليه النظم القرآنى الحكيم ، فهو ليس كل الصواب فحسب ولكنه الإعجاز المفحم ، في أَجْلَى معارضه ، وآلق آفاقه ومَنْ أحسن من الله حديثاً.
التوحيد في القرآن عقيدة متمكنة في الواقع الخارجى مستقرة كل الاستقرار في قلوب المؤمنين.
وهو ـ كذلك ـ عقيدة في البيان القرآنى ، فلم يأت الله في لغة القرآن إلا واحداً أحدًا ، ليس اثنين ، وليس ثلاثة (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) (2) وليس ما لفت أنظار مثيرى هذه الشبهات في الآية المتقدمة هو الوحيد في القرآن ، بل له نظائر عميت عنها أبصارهم وبصائرهم:
ففى الآية الثالثة من سورة التوبة نفسها ، ورد قوله تعالى:
(.. أن الله برئ من المشركين ورسوله.. ) (3) .
لم يقل: إن الله ورسوله بريئان من المشركين ، لأن وصف الله بالبراءة من المشركين ، وصف توحيدى تابع للواحد الأحد ، الذى ليس له مثيل في كل الوجود.
ولذلك قال:"أن الله برئ من المشركين ورسوله"أى ورسوله برئ منهم ، والذى دل على هذا ، ما ذكره في جانب الله أولاً.
كما تقول: محمد (من أُولى العزم من الرسل ، وموسى عليه السلام ، أى وموسى من أُولى العزم من الرسل.
تثبت الوصف المحذوف لموسى ، استناداً إلى ذكر ذلك الوصف خبراً عن محمد ، عليهما الصلاة والسلام.
هذا ما يفهمه العقلاء من بليغ الكلام.
وفى سورة التوبة نفسها ـ كذلك ـ ورد قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنَّا إلى الله راغبون ) (4) .
روعيت عقيدة التوحيد في النظم القرآنى المعجز المفحم في ثلاثة مواطن:
الأول:"ما آتاهم الله ورسوله"حيث عطف رسوله على اسم الجلالة ، دون عود ضمير مثنى.
الثانى:"حسبنا الله"دون عطف رسوله على اسم الجلالة. لأن الحسب لا يكون إلا لله.
الثالث:"سيؤتينا الله من فضله ورسوله"دون أن يُثَنِّى فيقول: من فضلهما.
وإنما عُطِف"رسوله"بعد تمام الجملة الأولى.
ثم حذف من جملة"ورسوله"ما دل عليه الكلام السابق ، أى:
وسيؤتينا رسوله من فضله.
هذا هو التوحيد في القرآن ، دقة وإحكام ، ومبالغة في تنزيه الله عن المساوى والمثيل والكفء حتى في اللفظ توحيد نقى ، خالص ، مبرأ عن الشبهات المعنوية ومبرأ عن الشبهات اللفظية.
ولم يرد في القرآن الحكيم اسم يكون ثانياً لله ، ولا اسم يكون ثالثاً لله ، لا في المعانى ، ولا في الألفاظ وذلك هو التوحيد الخالص. رسالة كل الرسل والأنبياء.
والخلاصة: