فهرس الكتاب

الصفحة 2093 من 3657

ففى إنجيل متى وردت هذه العبارة مسندة إلى يحيى عليه السلام المسمى في الأناجيل: يوحنا المعمدان.

وفيها يقول:"توبوا ؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (13) .

فمن هو ملكوت السماوات الذى بشر به يحيى ؟! هل هو عيسى عليه السلام ـ كما يقول النصارى..؟!

هذا احتمال.. ولكن متَّى نفسه يدفعه حيث روى عن عيسى عليه السلام نفس العبارة:"توبوا ؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (14) .

فلو كان المراد بملكوت السماوات ـ هذه ـ عيسى عليه السلام لما وردت هذه"البشارة"على لسان عيسى ؛ إذ كيف يبشر بنفسه ، وهو قائم موجود ، والبشارة لا تكون إلا بشئ محبوب سيأتى ، كما أن الإنذار ـ قسيمه ـ لا يكون إلا بشىء"مكروه"قد يقع. فكلاهما: التبشير والإنذار ـ أمران مستقبلان.

إن ورود هذه العبارة عن عيسى نفسه تخصيص لذلك العموم المستفاد من عبارة يحيى عليهما السلام.

فدل ذلك على أن المراد بملكوت السماوات رسول آخر غير عيسى. ولم يأت بعد عيسى ـ باعتراف الجميع ـ رسول غير رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

فدل ذلك على أنه هو المراد بملكوت السماوات في عبارة عيسى عليه السلامـ قولاً واحداً ـ وباحتمال أرجح في عبارة يحيى ،إذ لا مانع عندنا ـ أن يكون يحيى عليه السلام قد بشر بها بعيسى عليه السلام.

أما بشارة عيسى فلا موضع لها إلا الحمل ـ القطعى ـ على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

وفى صيغة الصلاة التى علمها المسيح لتلاميذه ـ كما يروى مَتَّى نفسه ـ بشارة أخرى بنبى الإسلام. وهذا هو نص مَتَّى في هذا"فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذى في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك" (15) .

ووردت هذه الصيغة في إنجيل لوقا هكذا:

"متى صليتم فقولوا: أبانا الذى في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك.." (16) .

ويذكر لوقا أن المسيح جمع تلاميذه ، وعلمهم كيف يقهرون الشياطين ، ويشفون الأمراض ثم قال:"وأرسلهم ليكرزوا ـ أى يبشروا ـ بملكوت الله" (17) .

أما مرقس فيسند هذه البشارة إلى المسيح نفسه إذ يقول:"جاء يسوع إلى الجبل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله" (18) .

فهؤلاء ثلاثة من التلامذة يتفقون على أن يحيى وعيسى (عليهما السلام) قد بشرا بملكوت الله الذى اقترب.

فمن المراد بملكوت الله إذا لم يكن هو رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ؟ وأكاد أجزم بأن عبارة"المسيح ، قد كمل الزمان"لا تعنى سوى انتهاء عصر الرسالات الموقوتة وإقبال الرسالة الخالدة..!

ـ 3 ـ أما يوحنا صاحب رابع الأناجيل. فإنه يذكر هذه البشارات في مواضع متعددة من إنجيله. ومن ذلك ما يرويه عن المسيح عليه السلام"الذى لا يحبنى لا يحفظ كلامى ، والكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للأب الذى أرسلنى. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزى (اسم فاعل من الفعل المضعف العين عزى) (19) الروح القدس ، الذى سيرسله الأب باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بما قلته لكم" (20) .

كما يروى يوحنا قول المسيح ـ الآتى ـ مع تلاميذه:"إنه خير لكم أن انطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية ، وعلى بر وعلى دينونة" (21) .

ويروى كذلك قول المسيح لتلاميذه:"وأما إذا جاء ذاك روح الحق ، فهو يرشدكم إلى جميع الحق ؛ لأنه لا يتكلم من نفسه. بل كل ما يسمع يتكلم به ، ويخبركم بأمور آتية".. ؟! (22) .

فمن هو المعزى أو روح القدس أو روح الحق الذى بشر به المسيح عليه السلام حسبما يروى يوحنا..؟!

إن المسيح يقول:

إن ذلك المُعَرِّى أو الروح القدس لا يأتى إلا بعد ذهاب المسيح ، والمسيح ـ نفسه ـ يُقِرُّ بأن ذلك المُعَرِّى أو الروح أَجَلُّ منه شأنا ، وأعم نفعاً وأبقى أثراً ، ولذلك قال لتلاميذه: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَرِّى.

وكلمة"خير"أفعل تفضيل بمعنى أكثر خيراً لكم ذهابى ليأتيكم المعزى ولو كان"المُعَزَّى"مساويا للمسيح في الدرجة لكانا مستويين في الخيرية ولما ساغ للمسيح أن يقول خير لكم أن أنطلق.

ومن باب أولى لو كان"المعزَّى"أقل فضلاً من المسيح. فعبارة المسيح دليل قاطع على أنه بشر بمن هو أفضل منه ، لا مساوٍ له ولا أقل.

ثم يصف المسيح ذلك المُعَرَّى أو الروح بأوصاف ليست موجودة في المسيح نفسه عليه السلام. ومن تلك الأوصاف:

أـ إنه يعلم الناس كل شىء.وهذا معناه شمول رسالته لكل مقومات الإصلاح في الدنيا والدين. وذلك هو الإسلام.

ب ـ إنه يبكت العالم على خطية. والشاهد هنا كلمة"العالم"وهذا معناه شمول الإسلام لكل أجناس البشر ، عربا وعجماً ، في كل زمان ومكان. ولم توصف شريعة بهذين الوصفين إلا الإسلام.

جـ ـ إنه يخبر بأمور آتية ، ويذكر بما مضى. وقد تحقق هذا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت