فهرس الكتاب

الصفحة 2183 من 3657

* وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد.. أخذ ابن تيمية يعدد حالات البينات والشهادات التى يجوز للقاضى الحاكم الحكم بناء عليها.. فقال:"إنه يجوز للحاكم - [ القاضى ] - الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود ، ولم يوجب الله على الحاكم ألا يحكم إلا بشاهدين أصلاً ، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين ، أو بشاهد وامرأتين ، وهذا لا يدل علىأن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك ، بل قد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالشاهد واليمين ، وبالشاهد فقط ، وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه ، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف.. وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان ، وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخباراً ، لا شهادة ، أمر لفظى لا يقدح في الاستدلال ، ولفظ الحديث يردّ قوله ، وأجاز صلى الله عليه وسلم شهادة الشاهد الواحد في قضية السَّلَب (11) ، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر ، واستحلفه ، وهذه القصة [وروايتها في الصحيحين] صريحة في ذلك.. وقد صرح الأصحاب: أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة ، وهو الذى نقله الخِرَقى [334 هجرية 945م ] فى مختصره ،فقال: وتِقبل شهادة الطبيب العدل في الموضحة (12) إذا لم يقدر على طبيبين ، وكذلك البيطار في داء الدابة.." (13) .

* وكما تجوز شهادة الرجل الواحد في غير الحدود.. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود ، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن في الحدود.. وعن ذلك يقول ابن تيمية ، فيما نقله ابن القيم:

"وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة في الرضاع ، وقد شهدت على فعل نفسها ، ففى الصحيحين عن عقبة ابن الحارث:"أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب ، فجاءت أَمَةٌ سوداء ، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنى ، قال: فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له ، قال: فكيف ؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما !"."

وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه ، قال: في المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى (14) ، وفى الحمّام يدخله النساء ، فتكون بينهن جراحات.

وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد في شهادة الاستدلال:"تجوز شهادة امرأة واحدة في الحيض والعدة والسقط والحمّام ، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء".

فقال:"تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة ، ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات في غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخَلَف والسلف". وعن عطاء [27-114 هجرية /647 732م ] أنه أجاز شهادة النساء في النكاح. وعن شريح [78 هجرية / 697م ] أنه أجاز شهادة النساء في الطلاق. وقال بعض الناس: تجوز شهادة النساء في الحدود. وقال مهنا: قال لى أحمد بن حنبل: قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها ، وإن كانت يهودية أو نصرانية.." (15) ."

ذلك أن العبرة هنا في الشهادة إنما هى الخبرة والعدالة ، وليست العبرة بجنس الشاهد ذكراً كان أو أنثى ففى مهن مثل الطب.. والبيطرة.. والترجمة أمام القاضى.. تكون العبرة"بمعرفة أهل الخبرة" (16) .

* بل لقد ذكر ابن تيمية في حديثه عن الإشهاد الذى تحدثت عنه آية سورة البقرة أن نسيان المرأة ، ومن ثم حاجتها إلى أخرى تذكرها (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى(ليس طبعًا ولا جبلة في كل النساء ، وليس حتمًا في كل أنواع الشهادات.. وإنما هو أمر له علاقة بالخبرة والمران ، أى أنه مما يلحقه التطور والتغيير.. وحكى ذلك عنه ابن القيم فقال:

"قال شيخنا ابن تيمية ، رحمه الله تعالى: قوله تعالى:: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى(فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل واحد إنما هو لإذكار إحداهما للأخرى ، إذا ضلت ، وهذا إنما يكون فيما فيه الضلال في العادة ، وهو النسيان وعدم الضبط.. فما كان من الشهادات لا يُخافُ فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل.."(17) .

فحتى في الإشهاد ، يجوز لصاحب الدَّيْن أن يحفظ دَينه وفق نصيحة وإرشاد آية سورة البقرة بإشهاد رجل وامرأة ، أو امرأتين ، وذلك عند توافر الخبرة للمرأة في موضوع الإشهاد.. فهى في هذا الإشهاد ليست شهادتها دائماً على النصف من شهادة الرجل..

ولقد كرر ابن القيم وأكد هذا الذى أشرنا إلى طرف منه ، في غير كتابه [ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ] فقال في كتابه"إعلام الموقعين عند رب العالمين"أثناء حديثه عن"البينة"وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعى واليمين على من أنكر"خلال شرحه لخطاب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى [ 21ق هجرية 44 هجرية 602- 665م ] فى قواعد القضاء وآدابه - قال:

"إن البينة في كلام الله ورسوله ، وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق.. ولم يختص لفظ البينة بالشاهدين.."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت