كذلك ، ذهب الإسلام فساوى بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية ، وفى أغلب الحقوق المدنية ، وكان التمييز فقط ، في أغلب حالاته بسبب التخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التى يفرضها الاسترقاق على الإرادة والتصرف.. فالمساواة تامة في التكاليف الدينية ، وفى الحساب والجزاء.. وشهادة الرقيق معتبرة في بعض المذاهب الإسلامية عند الحنابلة وله حق الملكية في ماله الخاص ، وإعانته على شراء حريته بنظام المكاتبة والتدبير مرغوب فيها دينياً (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذى آتاكم ) (6) . والدماء متكافئة في القصاص..
وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد ، حوّله الإسلام بمنظومة القيم التى كادت أن تسوى بين العبد وسيده إلى ما يشبه العبء المالى على ملاك الرقيق.. فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق.. بل ومطلوب منه أيضاً إلغاء كلمة"العبد"و الأمة"واستبدالها بكلمة"الفتى"و"الفتاة"."
بل لقد مضى الإسلام في هذا السبيل إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق ، فلم يتركهم في متاهة عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء ، وإنما سعى إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التى كانوا فيها أرقاء ، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات ، وبذلك أنجز إنجازاً عظيماً وراء وفوق التحرير عندما أقام نسيجاً اجتماعياً جديداً التحم فيه الأرقاء السابقون بالأحرار ، فأصبح لهم نسب قبائلهم عن طريق"الولاء"، الذى قال عنه الرسول (: [ الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب ] رواه الدارمى. حتى لقد غدا أرقاء الأمس"سادة"فى أقوامهم ، بعد أن كانوا"عبيداً"فيهم..
وقال عمر بن الخطاب وهو من هو في الحسب والنسب عن بلال الحبشى ، الذى اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه:"سيدنا أعتق سيدنا"!.. كما تمنى عمر أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حياً فيختاره لمنصب الخلافة.. فالمولى ، الذى نشأ رقيقاً ، قد حرره الإسلام ، فكان إماماً في الصلاة وأهلاً بخلافة المسلمين.
ولقد ساعد على هذا الاندماج في النسيج العربى فضلاً عن الإسلامى ذلك المعيار الذى حدده الإسلام للعروبة وهو معيار اللغة وحدها ، فباستبعاد"العرق.. والدم"غدت الرابطة اللغوية والثقافية انتماءً واحداً للجميع ، بصرف النظر عن ماضى الاسترقاق وعن هذا المعيار للعروبة تحدث الرسول(فى معرض النقد والرفض للذين أرادوا إخراج الموالى ، ذوى الأصول العرقية غير العربية ، من إطار العروبة ، فقال:
[ أيها الناس ، إن الرب واحد ، والأب واحد.. وليست العربية بأحدكم من أب أو أم ، وإنما هى اللسان ، فمن تكلم العربية فهو عربى.. ] ..
هكذا كان الإسلام إحياء وتحريراً للإنسان ، مطلق الإنسان ، يضع عن الناس إصرهم والأغلال التى كانت عليهم ، ويحرر الأرقاء ، لأن الرق في نظره"موت"، والحرية"حياة وإحياء".. ولقد أبصر هذه الحكمة الإسلامية الإمام النسفى [ 710هجرية /1310م ] وهو يعلل جعل الإسلام كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة: (ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) (6) .. فقال: إن القاتل"لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمة أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار ، لأن اطلاقها من قيد الرق كإحيائها ، من قِبَل أن الرقيق ملحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكماً.." (7) .. فالإسلام قد ورث نظام الرق عن المجتمعات الكافرة فهو من آثار الكفر ، ولأنه موت لروح وملكات الأرقاء ، وسعى الإسلام إلى إلغائه ، وتحرير أى إحياء موات هؤلاء الأرقاء ، كجزء من الإحياء الإسلامى العام (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (8) .
ومع أن مقاصد الإسلام في تصفية نهر الرقيق بإغلاق روافده وتجفيف منابعه ، وتوسيع مصباته لم تبلغ كامل آفاقها ، إذ انتكس"الواقع التاريخى"للحضارة الإسلامية ، بعد عصر الفتوحات ، وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية.. إلا أن. حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيوداً وأكثر عدلاً بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية ، بما في ذلك الحضارة الغربية ، التى تزعمت في العصر الحديث الدعوة إلى تحرير الأرقاء..