فهرس الكتاب

الصفحة 2213 من 3657

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتق من الأرقاء من يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، أويؤدي خدمة مماثلة للمسلمين. ونص القرآن الكريم على أن كفارة بعض الذنوب هي عتق الرقاب. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على العتق تكفيراً عن أي ذنب يأتيه الإنسان، وذلك للعمل على تحرير أكبر عدد ممكن منهم، فالذنوب لا تنقطع، وكل ابن آدم خطاء كما يقول الرسول. ويحسن هنا أن نشير إشارة خاصة إلى إحدى هذه الكفارات لدلالتها الخاصة في نظرة الإسلام إلى الرق، فقد جعل كفارة القتل الخطأ دية مسلمة إلى أهل القتيل وتحرير رقبة:"ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلَّمة إلى أهله" [22] والقتيل الذي قتل خطأ هو روح إنسانية قد فقدها أهلها كما فقدها المجتمع دون وجه حق، لذلك يقرر الإسلام التعويض عنها من جانبين: التعويض لأهلها بالدية المسلمة لهم، والتعويض للمجتمع بتحرير رقبة مؤمنة ! فكأن تحرير الرقيق هو إحياء لنفس إنسانية تعوض النفس التي ذهبت بالقتل الخطأ. والرق على ذلك هو موت أو شبيه بالموت في نظر الإسلام، على الرغم من كل الضمانات التي أحاط بها الرقيق، ولذلك فهو ينتهز كل فرصة"لإحياء"الأرقاء بتحريرهم من الرق [23] !

ويذكر التاريخ أن عدداً ضخماً من الأرقاء قد حرر بطريق العتق، وأن هذا العدد الضخم لا مثيل له في تاريخ الأمم الأخرى، لا قبل الإسلام، ولا بعده بقرون عدة حتى مطلع العصر الحديث. كما أن عوامل عتقهم كانت إنسانية بحتة، تنبع من ضمائر الناس ابتغاء مرضاة الله، ولاشيء غير مرضاة الله .

أما المكاتبة، فهي منح الحرية للرقيق متى طلبها بنفسه، مقابل مبلغ من المال يتفق عليه السيد والرقيق. والعتق هنا إجباري لا يملك السيد رفضه ولا تأجيله بعد أداء المبلغ المتفق عليه. وإلا تدخلت الدولة (القاضي أو الحاكم) لتنفيذ العتق بالقوة، ومنح الحرية لطالبها .

وبتقرير المكاتبة، فتح في الواقع باب التحرير في الإسلام، لمن أحس في داخل نفسه برغبة التحرر، ولم ينتظر أن يتطوع سيده بتحريره في فرصة قد تسنح أو لا تسنح على مر الأيام .

ومنذ اللحظة الأولى التي يطلب فيها المكاتبة - والسيد لا يملك رفض المكاتبة متى طلبها الرقيق، ولم يكن في تحريره خطر على أمن الدولة الإسلامية - يصبح عمله عند سيده بأجر، أو يتاح له - إذا رغب - أن يعمل في الخارج بأجر، حتى يجمع المبلغ المتفق عليه .

ومثل ذلك قد حدث في أوربا في القرن الرابع عشر - أي بعد تقرير الإسلام له بسبعة قرون - مع فارق كبير لم يوجد في غير الإسلام، وهو كفالة الدولة للأرقاء المكاتبين - وذلك إلى جانب مجهود الإسلام الضخم في عتق الأرقاء تطوعاً بلا مقابل، تقرباً إلى الله ووفاء بعبادته .

تقول الآية التي تبين مصارف الزكاة:"إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها... وفي الرقاب …" [24] فتقرر أن الزكاة تصرف من بيت المال - وهو الخزانة العامة في العرف الحديث - لمعاونة المكاتبين من الأرقاء لأداء ثمن التحرير، إذا عجزوا بكسبهم الخاص عن أدائه .

وبهذا وذاك يكون الإسلام قد خطا خطوات فعليه واسعة في سبيل تحرير الرقيق، وسبق بها التطور التاريخي كله بسبعة قرون على الأقل، وزاد على هذا التطور عناصر - كرعاية الدولة - لم يفىء إليها العالم إلا في مطلع تاريخه الحديث. وعناصر أخرى لم يفىء إليها أبداً، سواء في حسن معاملة الرقيق، أو في عتقه تطوعاً، بغير ضغط من التطورات الاقتصادية أو السياسية التي اضطرت الغرب اضطراراً لتحرير الرقيق كما سيجيء .

وبهذا وذاك تسقط حذلقة الشيوعيون ودعاواهم"العلمية"الزائفة، التي تزعم أن الإسلام حلقة من حلقات التطور الاقتصادي جاءت في موعدها الطبيعي حسب سنة المادية الجدلية - فها هي ذي قد سبقت موعدها بسبعة قرون - والتي تزعم أن كل نظام - بما في ذلك الإسلام - إن هو إلا انعكاس للتطور الاقتصادي القائم وقت ظهوره، وأن كل عقائده وأفكاره تلائم هذا التطور وتستجيب له، ولكنها لا تسبقه، ولا تستطيع أن تسبقه، كما قرر العقل الذي لا يخطىء ولا يأتيه الباطل من فوقه ولا من تحته، عقل كارل مارس تقدست ذكراه! فها هو ذا الإسلام لم يعمل بوحي النظم الاقتصادية القائمة حينئذ في جزيرة العرب وفي العالم كله، لا في شأن الرقيق، ولا في توزيع الثروة، ولا في علاقة الحاكم بالمحكوم، أو المالك بالأجير [25] ، وإنما كان ينشئ نظمه الاجتماعية والاقتصادية تطوعاً وإنشاء على نحو غير مسبوق، ولا يزال في كثير من أبوابه متفرداً في التاريخ .

وهنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار والضمائر: إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلها نحو تحرير الرقيق، وسبق بها العالم كله متطوعاً غير مضطر ولا مضغوط عليه، فلماذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية، فيعلن في صراحة كاملة إلغاء الرق من حيث المبدأ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت