فهرس الكتاب

الصفحة 2215 من 3657

فقد أرسل مولاه زيداً على رأس جيش فيه الأنصار والمهاجرون من سادات العرب، فلما قتل ولى ابنه أسامة بن زيد قيادة الجيش، وفيه أبو بكر وعمر وزيرا الرسول وخليفتاه من بعده، فلم يعط المولى بذلك مجرد المساواة الإنسانية، بل أعطاه حق القيادة والرئاسة على"الأحرار". ووصل في ذلك إلى أن يقول:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى [28] ". فأعطى الموالي بذلك الحق في أرفع مناصب الدولة، وهو ولاية أمر المسلمين. وقد قال عمر وهو يستخلف:"لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته"فيسير على نفس المبدأ الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ويضرب عمر مثلاً آخر من الأمثلة الرائعة على احترام الموالي ؛ إذ يعارضه بلال بن رباح في مسألة الفيء فيشتد في معارضته، فلا يجد سبيلاً في رده إلا أن يقول:"اللهم اكفني بلالاً وأصحابه"! ذلك وهو الخليفة الذي كان يملك - لو أراد - أن يأمر فيطاع !

هذه النماذج التي وضعها الإسلام كان المقصود بها تحرير الرقيق من الداخل - كما قلنا في مبدأ هذا الفصل - لكي يحس بكيانه فيطلب الحرية، وهذا هو الضمان الحقيقي للتحرير .

وصحيح أنه شجع على العتق وحث عليه بكل الوسائل، ولكن هذا نفسه كان جزءاً من التربية النفسية للرقيق، لكي يشعروا أن في إمكانهم أن يحصلوا على الحرية ويتمتعوا بكل ما يتمتع به السادة من حقوق، فتزداد رغبتهم في الحرية ويتقبلوا احتمال التبعات في سبيلها، وهنا يسارع في منحها لهم، لأنهم حينئذ مستحقون لها، قادرون على صيانتها .

وفرق كبير بين النظام الذي يشجع الناس على طلب الحرية ويهيء لها الوسائل، ثم يعطيها لهم في اللحظة التي يطلبونها بأنفسهم، وبين النظم التي تدع الأمور تتعقد وتتحرج، حتى تقوم الثورات الاقتصادية والاجتماعية وتزهق الأرواح بالمئات والألوف، ثم لا تعطي الحرية لطلابها إلا مجبرة كارهة .

وقد كان من فضائل الإسلام الكبرى في مسألة الرقيق، أنه قد حرص على التحرير الحقيقي له من الداخل والخارج، فلم يكتف بالنية الطيبة كما فعل لنكولن بإصدار تشريع لا رصيد له في داخل النفوس ؛ مما يثبت عمق إدراك الإسلام للطبيعة البشرية، وفطنته إلى خير الوسائل لمعالجتها. وهذا إلى جانب تطوعه بإعطاء الحقوق لأصحابها، مع تربيتهم على التمسك بها واحتمال تبعاتها - على أساس الحب والمودة بين جميع طوائف المجتمع - قبل أن يتصارعوا من أجل هذه الحقوق، كما حدث في أوربا، ذلك الصراع البغيض الذي يجفف المشاعر ويورث الأحقاد. فيفسد كل ما يمكن أن تصيبه البشرية من الخير في أثناء الطريق .

والآن نتحدث عن العامل الأكبر الذي جعل الإسلام يضع الأساس لتحرير الرقيق ثم يدعه يعمل عمله من خلال الأجيال .

لقد جفف الإسلام منابع الرق القديمة كلها، فيما عدا منبعاً واحداً لم يكن يمكن أن يجففه، وهو رق الحرب. ولنأخذ في شيء من التفصيل .

كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم [29] وكان هذا العرف قديماً جداً، موغلاً في ظلمات التاريخ، يكاد يرجع إلى الإنسان الأول، ولكنه ظل ملازماً للإنسانية في شتى أطوارها .

وجاء الإسلام والناس على هذا الحال. ووقعت بينه وبين أعداءه الحروب، فكان الأسرى المسلمون يسترقون عند أعداء الإسلام، فتسلب حرياتهم، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يجري يومئذ على الرقيق، وتنتهك أعراض النساء لكل طالب، يشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه من يبغي الاستمتاع منهم، بلا ضابط ولا نظام، ولا احترام لإنسانية أولئك النساء أبكاراً كن أم غير أبكار. أما الأطفال - إن وقعوا أسرى - فكانوا ينشأون في ذل العبودية البغيض .

عندئذ لم يكن جديراً بالمسلمين أن يطلقوا سراح من يقع في أيديهم من أسرى الأعداء. فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء. والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه، أو هي القانون الوحيد. ومع ذلك فينبغي أن نلاحظ فروقاً عميقة بين الإسلام وغيره من النظم في شأن الحرب وأسرى الحرب .

كانت الحروب - وما تزال - في غير العالم الإسلامي لا يقصد بها إلا الغزو والفتك والاستعباد. كانت تقوم على رغبة أمة في قهر غيرها من الأمم، وتوسيع رقعتها على حسابها، أو لاستغلال مواردها وحرمان أهلها منها ؛ أو لشهوة شخصية تقوم في نفس ملك أو قائد حربي، ليرضي غروره الشخصي وينتفش كبراً وخيلاء، أو لشهوة الانتقام.. أو ما إلى ذلك من الأهداف الأرضية الهابطة. وكان الأسرى الذين يسترقون، لا يسترقون لخلاف في عقيدة، ولا لأنهم في مستواهم الخلقي أو النفسي أو الفكري أقل من آسريهم، ولكن فقط لأنهم غلبوا في الحرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت