وهذا ما فهمه تمامًا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعدهم؛ فقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:"اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة" (1) . وروى البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال:"يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا".
وخلاصة القول:"إن المستحسِن للبدعِ يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد، فلا يكون لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم) معنى يعتبر به عندهم" ( 2 ) .
"فإذا كان كذلك؛ فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله: إن الشريعة لم تتم، وإنه بقي منها أشياء يجب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه؛ لم يبتدع، ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم."
قال الإمام الشوكاني في"القول المفيد" (ص38) مناقشاً بعض المبتدعين في شيء من آرائهم: (فإذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض نبيه صلى الله عليه وسلم فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟!
إن كان من الدين في اعتقادهم؛ فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم (!) وهذا فيه رد للقرآن! وإن لم يكن من الدين؛ فأي فائدة في الاشتغال بما ليس من الدين؟!
وهذه حجة قاهرة، ودليل عظيم، لا يمكن لصاحب الرأي أن يدفعه بدافع أبدًا، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي، وترغم به آنافهم، وتدحض به حججهم"."
إذ"كل ما أحدث بعد نزول هذه الآية؛ فهو فضلة، وزيادة، وبدعة" (1 ) ) (2) .
ثانياً: (إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لزامًا عليه أن يقوم بحق الرسالة، فيبلغ الإسلام غير منقوص قال تعالى:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ( ]النحل:44[ ولقد فعل صلى الله عليه وسلم وإلا فما بلغ رسالته - وحاشاه - فما أنتقل إلى جوار ربه راضيًا مرضيًا إلا والدين كامل لا يحتاج إلى زيادة) ( 3 ) .
وقد أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنه لم يكن نبي قبلي إلاَ كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم) . رواه مسلم.
وأخرج الطبراني في"معجمه الكبير" (1647) بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما بقي شيء يقّرب من الجنة ويباعد من النار؛ إلا وقد بين لكم)."
وقال أيضاً قال صلى الله عليه وسلم:"قد تركتكم على البيضاء،ليلها كنهارها،لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) رواه ابن ماجة ( 4 ) ."
وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه) ]المائدة:67["رواه البخاري مسلم.
ولهذا لما قال بعض المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه:"إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة؟"
قال: أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، وأن لا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم"رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة."
وقال ابن الماجِشون: سمعت مالكا يقول:"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذ دينًا؛ فلا يكون اليوم دينًا" ( 1 ) .
ثالثاً: إنَّ التشريع حق لرب العالمين، وليس من حق البشر،(لأن الله الذي وضع الشرائع، ألزم الخلق الجري على سنتها، وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.
ولو كان التشريع من مدركات الخلق لم تتنزل الشرائع، ولم تبعث الرسل، وهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه ندا لله، حيث شرع مع الله، وفتح للاختلاف باباً ورد قصد الله في الانفراد بالتشريع) (2) قال الله عز وجل: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ َوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) ] الأعراف:3[.
وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) ]الشورى:21[.
وقال عز وجل: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ]الأنعام:153[.
قال الإمام مجاهد- رحمه الله - وهو من كبار التابعين في تفسير قول الله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) :"البدع والشبهات" (1) .
وقال:"من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد"متفق عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه مسلم.