فهرس الكتاب

الصفحة 2400 من 3657

قام من نومه فزعاً!! إنها الساعة الثامنة صباحاً. ركض باتجاه خزانة ملابسه، وأخذ منها ملابس مُناسِبة. ثم توقف ونظر في المرآة، وأصلح من هندامه، واندفع نحو الباب يريد الخروج. يا الله! تذكَّر أنه كاد أن يخرج من البيت وهو لم يغسل وجهه بعد، نعم! فاليوم هو مستعجل ومشغول، يحتاج (محمد) في هذا اليوم أن يُنجز الكثير من الأعمال مبكراً كي يفرغ في المساء، فالليلة (مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-) ، وإن لم يُبكِّر في إنجاز أعماله. ربما حَلَّ عليه المساء وهو بعدُ في مشاغله فيفوته التبكير لحضور (المولد) . رجع محمد فغسل وجهه ثم خرج واستقل سيارته متوجهاً إلى عمله، وانهمك في مهامِّه ومشاغله. وفي أثناء انشغاله بإنجاز أوراق كانت بين يديه جاءته رسالة جوال. ترك ما في يده، وفتح الرسالة فإذا فيها: «أخي! هل تحب الله، هل تحب الرسول؟» قال في نفسه: نعم! وماذا بعد؟ واصل القراءة: «إن محبةَ الله ومحبةَ رسوله أوثقُ عرى الإيمان» . يا الله! ما أجملها من كلمات! تمضي الرسالة: «إن كانت محبتهما بهذه المنزلة؛ فهل يمكن أن يكون (المولد) من وسائل محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يتركنا دون أن يبيّنه لنا؟» علَّق قائلاً: ما هذا؟ ما أدري، ماذا يقول هذا الرجل؟ آهِ إنه (صالح) هداك الله يا صالح!

ترك محمد هاتفه الجوال متجاهلاً ما جاء في الرسالة وعاد لإكمال ما بيده.

وفجأة تذكر أنه لم يُصَلِّ الصبح. توقَّف قليلاً، وتعجَّب من نفسه ما الذي ذَكَّره بها الآن، مع أنه في أحيان كثيرة لا يصليها!! قام محمد مباشرة وترك ما في يده، ووجد في نفسه همة ونشاطاً لأنْ يصلي الصبح لم يكن يعرف مثلها من قبل.

وفي آخر اليوم أتم محمد جميع أعماله، واستعد للذهاب إلى (المولد) وعندما ركب سيارته أطلق لفكره العنان يتذكر ما مر به في يومه من أحداث. تذكر الرسالة، وتذكر صلاته للصبح، وتذكر استعجاله للخروج حتى إنه نسي أول الأمر أن يغسل وجهه. ضحك من نفسه، ووجد في صدره راحة وأُنساً وانشراحاً؛ فحمد الله على نعمته. رجع محمد إلى نفسه يحاسبها على هذا التقصير في سنواته الماضية في الصلوات، وخصوصاً صلاة الصبح. وبدأ يحدث نفسه: تُرى هل أجد هذا الاطمئنان وهذه الراحة باستمرار إن داومتُ على هذه الصلاة؟!

تذكَّر محمد الشيخ خالد الذي اتصل به وأكَّد عليه التبكير للمولد. وهذا ديدن الشيخ خالد ـ جزاه الله خيراً ـ يتصل بي سنوياً يذكِّرني بهذه المناسبة المهمة.

ـ نعم! ـ حدثته نفسه ـ: ولكنَّ الشيخ خالد هذا لم يذكِّرك مرةً بصلاة الفجر، أو يعرض عليك أن يصطحبك إليها مثلما يفعل في شأن (المولد) ! إنه يظل طوال عامه مشغولاً، غير مهتم بك حتى إذا جاء هذا الوقت من كل سنة تذكَّرك!

ـ أعوذ بالله، ما هذه الخواطر المزعجة؟ إن الشيخ خالد رجل صالح، من أولياء الله، وهو يفعل ذلك حباً للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وتعظيماً لمقامه الشريف.

ـ حُبّاً... نعم حُباً! آه ما أجمل الكلمات التي قرأتها في الرسالة اليوم!

عاد محمد إلى هاتفه الجوال، واستخرج منه الرسالة التي جاءته اليوم من صديقه صالح وأعاد قراءة ما فيها: «أخي! هل تحب الله، هل تحب الرسول؟ إن محبةَ الله ومحبةَ رسوله أوثقُ عرى الإيمان» .

نعم! ـ قال محمد ـ: ألم يقل -صلى الله عليه وسلم-: «أوثق عرى الإيمان الحُب في الله والبغض في الله؟» (1) .

وواصل القراءة: «إنْ كانت محبتهما بهذه المنزلة؛ فهل يمكن أن يكون (المولد) من وسائل محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يتركنا دون أن يبيّنه لنا؟ » .

ـ (صالحٌ) هذا صديق قديم، عرفتُه منذ الصغر في أيام الدراسة، وكنت أعرف فيه دائماً الجدَّ والتعَقُّلَ في الأمور كلها، وهو مع احترامه للناس إلا أنه لا يوكل عقله ومهمة التفكير عنه لأحد!! نعم! أتذكر مرة لما قال لنا المدرس أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخرج يده من القبر الشريف لمصافحة أحد الأولياء، وكيف أنه لم يقتنع، وظل يناقش الأستاذ عن مصدر هذه المعلومة، ويؤكِّد أن ذلك لم يقع مع كبار الصحابة؛ فكيف يقع للأولياء بعدهم؟ وكنا نتعجب منه، ومن قوة رأيه وشخصيته.

ـ نعم! صالح رجل عاقل، ولكني أنا أيضاً عاقل، ولا أتابع صالحاً في كل ما يقول، صالح يمشي مع مشايخ متشددين لا يحبون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت