ـ لا، لا، هم المخطئون، لا أقولها تعصباً، ولكن الذي فعلوه تغييراً لما كان عليه أسلافنا.
ـ طيب أليس المولد كله تغيير لما كان عليه الأسلاف الأوائل؟!
ـ نعم! ـ قالها وقد ضاق بهذا النقاش ذرعاً ـ: هو كذلك، ولكنه فعل خير.
هنا بدأ محمد يشعر بالضيق، وعدم الرغبة في الذهاب مبكراً إلى المولد، وتمنى لو أنه يلقى صالحاً فيناقشه في الأمر. ولكن أين صالح وكيف يمكن الوصول إليه؟!
قلَّب محمد في رسائل هاتفه الجوال؛ فإذا رسالة قديمة كان صالح قد أرسلها له قبل أيام، وإذا فيها: «أنت لا تُوَكِّل غيرك في شراء سيارةٍ لك، ولا في اختيار بيت تستأجره مما تتجمَّل به ويعبِّر عن شخصيتك، بل تقوم بذلك بنفسك..» . تواصِلُ الرسالة: «فلِمَ توكل إلى غيرك اختيار ما تتجمل به أمام الله ـ تعالى ـ من أمر دينك؟» .
لا، والله! لا أريد أن أعمل أعمالاً أصرف فيها القليل من وقتي وعمري الذي أجعله للعبادة؛ ثم تكون هذه الأعمال لا نافعة، ولا مرضيَّةً عند الله!!
أليس في الواضح الأكيد، الصافي من كل كدر من العبادات أليس فيه غنية عن كل متشابه، قد يكون بدعة وقد يكون سنة؟
أما آن لي أن أسمع ممن اعتدت أن أسمع لهم من مشايخي، ولكن لا أُصِمُّ أُذنيَّ عن سماع غيرهم ممن قد يأتي بالحق بدليله فينشرح له صدري، وتقبله نفسي؟
وهنا بدأت معالم الصورة تتضح أمام محمد، وبدأ يرسم خطة جديدة لحياته، وإذا بالقرارات تنثال عليه وكأنه قد أعدها مسبقاً:
1 ـ أنا لن أعبد الله بالمتشابه، الذي لا أعلم أيرضاه مني أم لا؟ وفي الدين الواضح والمحجة البيضاء غنية وكفاية، وعسى أن أقوم بحقوقها وتكاليفها فإن في ذلك لَشُغلاً.
2 ـ لن أحضر احتفال المولد اليوم، ولا بعد اليوم، وقد أبدلني الله به مولداً جديداً هو مولدي أنا!! فأنا من اليوم إنسانٌ جديد، ومن اليوم سأحتفل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل حين؛ سأحتفل بتطبيق سنته، سأحتفل بالاقتداء به وبالمحافظة على صلاة الفجر في وقتها، وكذا بقية الفرائض، سأحتفل بتحكيمه -صلى الله عليه وسلم- في كل شؤون حياتي، و والله إني لأشعر بِلَذَّةِ ذلك من الآن، وكأنها حلاوة أتطعَّمُها في فمي، ونِعم المولد مولدٌ أعيشه وأتبع فيه حبيبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحيا معه في كل حركةٍ وسكون.
3 ـ أهل العلم يجب أن نأخذ منهم، وأن نوقِّرهم، ولكن دون أن نُلغي عقولنا؛ فالحساب يوم القيامة سيكون فردياً، يجب أن أفهم أن ما أتَّبعهم فيه يجب أن يكون سنة لا بدعة، وأن يكون مقرِّباً إلى الله؛ فالعالم قد يُخطئ وقد يتبع العادة أو الهوى. ولا، واللهِ لا أُنزل أحداً من العالمين منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - في اتباعه في الأمر كله.
4 ـ أرجو أن ينفعني الله بقول نبيه - صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم» فماذا بقي أرجو بعد هذا؟
ومضى محمد شاكراً لنعمة الله عليه بالتبصير في الدين، وركب سيارته وأدار المذياع؛ فإذا بالشيخ سعود الشريم ينساب صوته عذباً: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ * إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 115 - 117] .
أخي الكريم! هذه قصة جرت لرجل من الناس جعل الله له نوراً بتحكيمه للسنة على نفسه، وبتعظيمه هدي المصطفى وجَعْلِهِ إماماً؛ فقد فاز ـ واللهِ ـ من اتخذ مع الرسول سبيلاً بطاعته واتباعه، وتجنب الإحداث في دينه.
إن معيار الحق والعدل الذي يحبه الله ويرضاه لا يُعرف باستحسانِ ذوق، ولا بتوارثِ أجيال، ولا بفعلِ الجم الغفير من الناس، ولا بالتحاكمِ إلى عقلٍ لم يستنر بنور الشريعة، ولا بتقليدٍ لمن لم يأتِ ببرهانٍ من الله على ما يقوله. ولكنْ مَنْ طَلَبَ الهداية بصدق، ثم سلك طريقها الذي أمر اللهُ به وأمر به رسولُه -صلى الله عليه وسلم- متبعاً لا مبتدعاً فأحرِ به أن ينال مراده؛ فالله يقول: «يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهْدِكم» . ويقول عن اتِّباع الطرق غير الموصلة للحق: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] ، ويقول عن قوم ذامّاً لهم: {إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] .