وروى الإمام أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ: (( سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَقُولُ: وَالْكَعْبَةِ فَقَالَ: لاَ تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ ) ).
وأحيانًا يأتيه الأعرابي الجافي فيغلظ للرسول الله صلى الله عليه وسلم القول، وربما يستطيل بيده على طبيعة الأعراب من العنف والجفاء، فيبتسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجيبه إلى طلبه بحسن خلق وسموّ معاملة.
روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (( كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ ) ).
وفي رواية لمسلم: (( ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيْهِ جَبْذَةً رَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ ) ). وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: (( فَجَاذَبَهُ حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) ).
ولكنّه، لما رأى رجلًا لبس سوارًا من نحاس يقي به مرضًا يأخذ في العضد، غضب عليه وزجره ونهره.
فعن عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً، أُرَاهُ قَالَ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا لا تَزِيدُكَ إِلا وَهْنًا انْبِذْهَا عَنْكَ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا ) ) (6)
فهناك لم يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، أمّا هنا ولمّا رأى مظهرًا من مظاهر الشرك غضب لله عز وجل، حيث أنه صلى الله عليه وسلم بعث بتكميل أديان الخلق بنبذ الوثنيّات والتعلّق بالمخلوقين، وعلى تكميل عقولهم بنبذ الخرافات والخزعبلات، والجدّ في الأمور النافعة المرقّية للعقول، المزكّية للنفوس، المُصْلِحَة للأحوال كلها دينها ودنياها (7)
وربما لحقه الأطفال فأركبهم معه على بغلته.
فعن إِيَاسٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا قُدَّامَهُ وَهَذَا خَلْفَهُ ) ) (8)
بل ربما نزل وترك الخطبة من المنبر وحمل الأطفال ثم أتمّ خطبته
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَال: (( سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا ) ) (9)
وإذا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكر انتدب له رجلًا من صاحبته؛ ليقوم بإزالته، فقد روى لنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بمهمّة وهي تسوية القبور بالأرض وعدم رفعها، وطمس التماثيل والصور.
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: (( قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلا طَمَسْتَهُ وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ ) )، وفي رواية َقَالَ: (( وَلا صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا ) ).
ولم يكن رسول الله يخصّ أحدًا من أقاربه بعلم دون الناس.
ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: (( سُئِلَ عَلِيٌّ أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا ) ).
وكان يرسل البنيات الصغيرات لِيَلْعَبْنَ مع عائشة رضي الله عنها.