هذه أضعف فرية افتريت على نبينا صلى الله عليه وسلم وأضعف شبهة يمكن أن يتشبث بها أحد قديماً أو حديثاً، وذلك لما اشتهر عنه صلى الله عليه وسلم منذ طفولته من صدق الحديث وأمانة في الخلق حتى كانت من أوضح صفاته وأخلاقه التي تميز بها، حتى أنه كان يسمى في الجاهلية بالأمين لصدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم ومما يثبت ذلك ما جرى في قصة بناء قريش للكعبة قبل بعثته صلى الله عليه وسلم واختلافهم على وضع الحجر الأسود حتى كادوا يقتتلون بسبب إرادة كل قبيلة أن تفوز بشرف وضع الحجر الأسود في مكانه ولما اشتد الخلاف فيما بينهم وأصرت كل قبيلة على الفوز بهذا الشرف أراد أحد عقلائهم أن يضع حداً للخلاف فقال لهم حكموا بينكم أول داخل عليكم من باب الصفا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوه مقبلاً قالوا: هذا محمد الأمين رضينا به حكماً. ففي هذه القصة وقد حدثت قبل البعثة أكبر دليل على اشتهاره بالصدق والأمانة فيما بينهم.
ومما يثبت اشتهاره بالصدق بين قريش وعدم شكهم في صدق حديثه حديث أبي سفيان مع هرقل وسؤال هرقل حينما سأل أبا سفيان: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: لا ثم رد هرقل في آخر الحديث بحكمة قل من يفطن لها إذ قال: وسألتك أتتهمونه بالكذب فقلت: لا فعلمت أنه لن يدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله تعالى و الحديث في صحيح البخاري..
ومما يثبت نفي الكذب عنه ما ورد في حديث ركانة بن عبد يزيد في السنن بإسناد فيه كلام. وكان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به فقال يوماً للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب فإن صرعتني علمت أنك صادق، لقد أثبت صدقه بنفي الكذب عنه مع شدة العداوة وكثرة استهزاءه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في السير. وقد روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله تعالى فيهم: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام: 33] .
وقد اشتهر بين قريش صدقه صلى الله عليه وسلم حتى إن أبا طالب لما أخبره نبينا صلى الله عليه وسلم بخبر الصحيفة التي كتبتها قريش وأن الأرضة قد أكلتها ولم تترك فيها إلا كلمة واحدة هي (باسمك اللهم) قام أبو طالب يحاجّ قريش حتى فتحوا الكعبة وأخرجوا الصحيفة ووجدوها حقاً كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم فوبخهم أبو طالب بقوله شعراً في هذا:
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة ***متى ما يخبر غائب القوم يُعجب
محا الله منها كفرهم وعقوقهم*** وما نقموا من ناطق الحق مُعرب
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً*** ومن يختلق ما ليس بالحق يُكذب
وقد كانت علامات الصدق تلوح على محياه صلى الله عليه وسلم حتى قال عبد الله بن سلام الحبر اليهودي في قصة إسلامه أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ونظر في وجهه قال: فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب). (رواه ابن ماجه وغيره) .
ولو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
شبهات وتهم ضد مقام النبوة (2)
الشبهة الثانية:قولهم عنه (ساحر، كاهن، مجنون) :
وهذه الصفات التي وصفه بها كفار قريش لما جاءهم بالحق ولم يستطيعوا له رد فجنحوا إلى هذه التهم والأوصاف حتى يصدوا الناس عنه إذ أنه لا يجلس إليه أحد فيعرض عليه الإسلام ويقرأ القرآن على مسامعه إلا أخذ بلب جليسه وأسر قلبه فأراد المعاندون بإثارة هذه الشبهة أن يصدوا الناس عن الجلوس إليه وسماعه خاصة في المواسم التي يجتمع فيها الناس من أنحاء الجزيرة العربية.
هذا عتبة بن ربيعة جاء مندوباً لقريش لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يترك دعوته فيقول له: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، ثم عرض عليه المال والملك وعرض عليه ما استطاعه من الإغراء حتى إذا فرغ عتبة من كلامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إليه فقال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع مني. قال: أفعل. فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم:
بسم الله الرحمن الرحيم (حم* تنزيل من الرحمن الرحيم) . [فصلت 1: 2] .
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وقد ألقى عتبة يديه وراء ظهره معتمداً عليهما وهو يسمع منصتاً حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد، ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك) سيرة ابن هشام.!!
وعاد عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله قد جاءكم أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، أطيعوني واجعلوها لي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.