ويجب ألا تعمي الإساءة أعيننا عن اغتنام الفرصة، ويكفي أصحاب الرأي والهمة أن يتذكروا ما قاله _عليه الصلاة والسلام_ حينما هجاه بعض الكفار، ذاكرين اسم"مذمم"بدلاً عن"محمد"زيادة في الذم، فكان قوله _صلى الله عليه وسلم_ لصحابته الذين ساءتهم مقالة الكفار"لا تعجبون كيف يصرف الله عني أذى قريش وسبهم، هم يشتمون مذمماً وأنا محمد". رواه البخاري. فهم هنا رسموا رسومات لشخصيات وهمية في أذهانهم، وهي ليست -بلا شك- رسومات للنبي _عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم_.
دون أن ننتقص من حق الرد على هذه الإساءة، مثلما حدث حين هجا بعض الكفار رسولنا الكريم _صلى الله عليه وسلم_ فقال له حسان بن ثابت:"أتأذن لي يا رسول الله أن أهجوهم"فأذن له.
ولطالما كتب الله _تبارك وتعالى_، نصراً للدعوة ولدين الإسلام، خلال نائبات الدهر والأحداث الجسام، واستفاد الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وصحابته، من ذلك، في نشر الدعوة، وتوصيل رسالة الدين إلى بقية الأمم، كمثل إسلام النجاشي (ملك الحبشة) في أضيق أوقات المسلمين من هجرتهم بعد طول إيذائهم. وحين كتب الله لرسالة نبيه الظهور والانتشار، بعد أن هاجر عليه الصلاة والسلام، من مكة المكرمة، مكرهاً، حين مكر كفارها لقتله. وضاقت به الأرض.. فكانت المدينة التي أنارها الرسول بوصوله أول موطئ لدولة الإسلام، التي انتشرت حتى وصلت أطراف الأرض.
ومنها دخول أعداد كبيرة من الناس في الإسلام بعد أن منعت قريش رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وصحابته من دخول مكة المكرمة للعمرة عام 6 للهجرة (عام الحديبية) ، وضاقت الأرض على المسلمين، وقال عمر بن الخطاب للنبي:"ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل..." (الحديث) رواه البخاري. حيث استفاد _عليه الصلاة والسلام_ من الهدنة التي وقعها مع قريش بعد تلك الواقعة، في تعزيز الإسلام ونشره بين الناس في المدينة، فيما كانت تقدم عليه أفواج من المسلمين من مكة وغيرها.
وما يجب أن يدركه المسلمون اليوم هو أن هذه المحنة التي أنزلها الله علينا، بداية خير كثير، لو استفاد منها المسلمون بطرق عديدة. وأن شعاعاً عظيماً من الأمل والنصر قد أشرق من جنباتها المظلمة. فماذا ننتظر؟
يقول الله _تبارك وتعالى_:"حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ" (يوسف:110) .
اليوم.. يهتم الكثير من الغرب بما يحدث من إساءة لنبي المسلمين، ويترقبون ما يصدر عن المسلمين من أقوال وأفعال لا تخرج (في رأيهم) عن الإساءة للصحيفة والحكومة الدنمركية، والإساءة للنصارى ودينهم، والتهديد بالقتل والوعيد بالثأر، بما فيها المحاكمات القضائية، فضلاً عن المنحى الرسمي الذي يتخذ طابع"التنديد والاستنكار!".
وقد استطاع الإعلام العربية والإسلامية (على اختلاف وسائله المتلفزة والمطبوعة والإذاعية والإلكترونية) أن يحدث ضجة إعلامية حقيقية، أثارت فضول الملايين من الأمم الأخرى لمعرفة"ماذا سيقول المسلمون رداً عن هذه الإساءة العظيمة".
وهذه بحد ذاتها نعمة أنعمها الله _تبارك وتعالى_ أن جعل الأمم الأخرى مستعدة لسماع ما نقوله.. فماذا يجب أن نقول؟
هنا يجب أن يغتنم المسلمون هذه النعمة العظيمة، وينتقلوا من حالة"الدفاع عن الرسول"بالطرق التقليدية، إلى"حالة الهجوم"، بالطرق غير التقليدية.
وأن يصبح توجههم إلى الغرب بهدف"الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنى".. وهناك درس عظيم في تاريخنا يمكن الرجوع إليه، والاستفادة منه في تحقيق هذه الغاية، فكما قال _صلى الله عليه وسلم_:"لأن يهدي الله بك أحد، خير لك من حمر النعم".
وهي قصة إسلام النجاشي على يد جعفر بن أبي طالب _رضي الله عنه_ عندما استطاع أن يوجد خطاباً دعوياً بالغ الرقي، يخاطب به ملكاً يدين بالنصرانية، أدخله في الإسلام ببركة الحدث والوقت والخطاب التي هيأها الله _تبارك وتعالى_.
الخطاب الذي ينتظره النصارى من المسلمين اليوم، خطاباً يحمل في طياته انتقاصاً من دينهم، وإساءة لأحبارهم ورهبانهم، وهجوماً على معتقداتهم وأفكارهم.. يحمل في طياته حقداً وتهديداً وتطرفاً..
فلم لا نجعل خطابنا لهم، سهماً نطلقه بعناية، لعلّ الله أن يمنّ علينا بنصر في الأرض، ونور من ظلام، وصدّ عن نبينا بدخول أمم أخرى في دين نبينا _صلى الله عليه وسلم_.
ولعل ذلك يتأتى -بإذن الله- بخطاب يتضمن ما تضمنه كلام جعفر بن أبي طالب، من عرض المشترك بين دين الإسلام، والمسيحية التي يؤمن بها غالبية أهل الغرب، وعرض الآيات من القرآن الكريم، وسنة نبيه المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ التي تحث المسلمين وتأمرهم باحترام نبي الله عيسى _عليه السلام_ وأمه الصديقة _عليها السلام_، وغيرها.