جاء العلماء والمفكرون من كل القارات يعبرون عن حب الأمة لرسولها، وأن هذا الحب من أهم مقومات وجودها، وكان شعار المؤتمر كلمة الصديق رضي الله عنه «ومن نفسي يا رسول الله» . وكان اختيار الشعار تعبيرا عن مرحلة جديدة في حياة الأمة.
تحليل عميق للأزمة
شهدت قاعة المؤتمر تحليلا لأزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم، حيث كشف هذا التحليل بعض الحقائق المهمة، منها أن جريدة اليولاندز بوسطن هي جريدة دينية متطرفة، وفي الوقت نفسه فإنها مدعومة من الحكومة الدنماركية حيث تتلقى دعما من الحكومة بلغ 2،10 مليون كراون، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة عما نشرته تلك الصحيفة فهي ليست مستقلة، وبالتالي لا يمكن أن يعتبر ما نشرته تعبيرا عن حرية الرأي.
ولذلك يقول الدكتور جهاد الفرا إن هذه الرسوم كانت جزءا من حملة عامة ضد الإسلام يقوم بها الإعلام الدنماركي المدعوم من الحكومة. كما أن الجريدة كانت تعرف النتائج التي يمكن أن تترتب على نشرها للرسوم حيث استشارت أحد خبراء الأديان الذي أوضح لها خطورة النشر.
كما أن القانون الدنماركي يعاقب على سب أي دين معترف به بالغرامة والسجن، لكن المشكلة أن الإسلام دين غير معترف به في الدنمارك. وهذه الرسوم لا تندرج تحت إطار حرية التعبير، ولكنها تعبير عن العنصرية. كما أن نشر تلك الرسوم يشكل ظلما للشعب الدنماركي الذي تتركز اهتماماته على الفن والأزياء والأمور الحياتية البسيطة، وبالتالي فإن جهل هذا الشعب يجعله أسيرا للمعلومات التي يحصل عليها من وسائل الإعلام.
لم تكن رصاصة طائشة
قدم الشيخ رائد شفيق حليحل إمام مسجد الدنمارك عرضا لتطور القضية موضحا أنها لم تكن رصاصة طائشة ولكنها كانت عملا مدروسا تعرف الجريدة والحكومة الدنماركية أنه سيؤدي إلى انتفاضة في العالم الإسلامي، فالجريدة أصرت على توجيه الإهانات للإسلام، وربط تلك الإهانات بالحرب ضد الإرهاب.
كما قدم عدد من العلماء منهم الدكتور جعفر شيخ إدريس عرضا للتطور التاريخي للعداء الغربي للإسلام، وأن هذا العداء كان نتيجة لرغبة الغرب في أن تظل حضارته مهيمنة على العالم ماديا وثقافيا، وهم يخافون من عودة الإسلام، وأن يكون له قوة مادية يستخدمها المسلمون في المحافظة على مواردهم الطبيعية، وفي تحقيق الاستقلال.
إن الغرب يدرك أن الإسلام له قوة ثقافية كبيرة، وخوفهم الحقيقي ليس من الإرهاب، ولكن من انتشار الإسلام فهم يصرحون بأنه أكثر الأديان انتشارا. وهم يخافون من قوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتأسى به المسلمون في معتقداتهم ومعاملاتهم، بينما لايوجد إنسان يقتدي به الغربيون أو يتأسون به.
القوة الثقافية للإسلام
كان هناك إدراك حقيقي في قاعة المؤتمر لقوة الإسلام الثقافية، وضرورة تحويل تلك القوة لتفجير الطاقات الحضارية للأمة. لذلك فإن تلك الأزمة لابد أن تشكل بداية لوعي الأمة بقوتها الثقافية والحضارية، وصياغة استراتيجية شاملة للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم بتحقيق نهضة شاملة للأمة الإسلامية.
ولأن الثقافة هي أساس قوة الحضارات، فإن القوة المادية هي التي تنقص المسلمين، والبشر يمكن أن يصنعوا القوة المادية عندما يمتلكون الوعي والإرادة والاعتزاز بهويتهم وذاتيتهم الثقافية، لذلك فإن انتفاضة المسلمين دفاعا عن رسولهم، ومشاعر الحب التي تفجرت في نفوس المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم والغضب على من وجهوا له تلك الإهانة قد وضعت الأمة الإسلامية على الخريطة السياسية الدولية كما قال نهاد عوض. لكن تلك المشاعر يجب أن تتحول إلى طاقة إيجابية توظف القدرات الإنسانية لمليار ونصف من البشر، وتجعلهم يشعرون بالمسؤولية عن إنقاذ الشعوب الغربية الغارقة في التسلية من جهلها. إن إدراك تلك القوة الثقافية والحضارية يمكن أن تتحول بداية لصياغة مشروع حضاري جديد.
القوة الإعلامية
لكننا نعيش في عصر ثورة الاتصال، والقوة الإعلامية هي أهم مصادر القوة، لذلك قال أستاذنا وشيخنا العلامة يوسف القرضاوي إن الأمة في حاجة إلى جيوش من الإعلاميين المدربين للتعريف برسولنا - جيوشنا الآن يجب أن تكون جيوشا إعلامية تعليمية توجيهية تثقيفية، ويجب أن يكون قوامها عشرات الألوف بل مئات الألوف.
إن تشكيل جيش الإعلاميين المؤهلين علميا وثقافيا ومهنيا للتعبير عن الأمة هو بداية حقيقية لتحويل نصرة الرسول الكريم إلى عمل دائم ومستمر، ولإعادة الأمة للقيام بوظيفتها الحضارية، وتحقيق الاستقلال الشامل.
والغرب يحاول أن يضعفنا إعلاميا حتى نظل نتلقى بشكل سلبي رؤيته للأحداث، لذلك فإن بناء صناعة إعلامية واتصالية مستقلة هو أهم وسائل تحقيق التقدم الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي.