لقد انتفض الناس غاضبين لعدة أسابيع لما رأوا أعظم الخلق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يساء إليه في الصحيفة الدنماركية، لكنهم في غمرة هذا الشعور نسوا عدة قضايا هامة.
لقد كان واضحا أن رد الفعل هو مجرد سلوك عاطفي بحت، تحول بسرعة إلى سلوك جماعي، وربما كان من الغريب تفسير تأخر هذا الانبعاث العاطفي لعدة أشهر، ولكن يمكن القول بأن ظرفا معينا أتاح لهذا أن يحصل فجأة وأن ينطلق الناس نحو التعبير عن غضبهم.
مشكلة السلوكيات العاطفية أنها غير منطقية وأنها لا ترتبط باستراتيجية واضحة وأنها تنطفئ بعد فترة شأن العواطف بأنواعها. كانت الحملة المصاحبة للرسوم المسيئة غير منطقية لأن الإساءات تحصل كل يوم في الإعلام الغربي، وإذا كان كتاب سلمان رشدي وهذه الصور قد لفتت انتباهنا فهناك الكثير مما لم يلفت انتباهنا، ويحمل نفس الأثر التدميري.
لم يكن واضحا خلال الحملة لماذا غضب المسلمون من الرسوم بمعنى أنه لم يكن لديهم أي رسالة واضحة يقدمونها للغرب ويحددون فيها ما يريدون، ولما انتبه الناس لهذا طالبوا بالاعتذار من طرف الحكومة الدنماركية، رغم أن رئيس الوزراء الذي طلب منه الاعتذار يتم شتمه في الصحف كل يوم ويرسم بصور ساخرة دائما (وكذلك شأن الملكة) ، ومن هنا نشأ سوء الفهم، فرئيس الوزراء لا يريد الاعتذار نيابة عن الجريدة التي تنتقده باستمرار لأنه لا يملك عليها أي سلطة، ونحن رفضنا أن نتفهم طبيعة النظام الديمقراطي الغربي، وبقي كل طرف غاضبا وعاجزا عن توصيل رسالته.
كان هناك مشكلة أيضا في التخطيط لهذا الموضوع، لأنه لم يخطط له حقيقة. لم يحسب أحد حساب أحداث العنف التي نشأت لاحقا والتي أساءت كثيرا للعالم الإسلامي، ولم يحسب أحد احتمالية أن يقوم رجل غاضب (أو شخص مستغل للظروف) بإلقاء قنبلة يدوية صغيرة على مبنى الجريدة قد لا يحدث أي ضحايا ولكنه يجعل أوروبا كلها تعيش في حالة مراجعة للقوانين والأنظمة وتزيد من تشديدها على الجاليات العربية والإسلامية هناك، كما حصل في حال مقتل المخرج الهولندي فان جوخ، الذي غضب المسلمون من فيلمه المسيء للقرآن الكريم، فهجم أحدهم وقتله، وغير هذا حال المسلمين في هولندا إلى الأبد.
لم يحسب الناس حساب ما حصل وهو تضامن الصحف الغربية مع الصحيفة الدنماركية، وإعادة نشر الرسوم مئات المرات في الصحف ومواقع الإنترنت، وبالتالي تكرر الإساءة وتشويه صورة الرسول صلى الله عليه وسلم وصورة المسلمين. ولحسن الحظ أن عقلاء أوروبا استوعبوا الموقف وفهموا أهمية تهدئة العالم الإسلامي، وتوقفت قضية إعادة نشر الرسوم المسيئة. لقد جهل البعض أن حرية التعبير تمثل"دينا"للغربيين وخيارا لا تراجع عنه، ومواجهة حرية التعبير بهذا الشكل معناه أيضا تحدي الغربيين في أهم قيمهم، وغاب عن الكثيرين إن كان المسلمون في وضعهم الحالي قادرين على مثل هذا التحدي وهذه المواجهة مع الأوروبيين.
كثيرون كانوا يقولون بأن حرية التعبير الكاملة غير موجودة في الغرب بدليل أنه لا يمكن إنكار الهولوكست، لكن هؤلاء جهلوا لماذا يحصل ذلك وكيف يجيب الغربيون على هذه القضية. معظم الناس لا يعرفون البعد التاريخي للأمر وأن إنكار الهولوكست يمثل لدى الغربيين عودة لتأييد النازية التي أدخلت العالم في حرب عالمية قاسية لن ينساها التاريخ أبدا.
وعلى العموم، هذا كله بالنسبة لي مفهوم، لأن عدم التخطيط لمثل هذه الأمور يحصل دائما، ولكن ما يجعلني أعترض بقوة على المعارضة التي حصلت هي قضية"الطاقة الحيوية الخيرية"لدى الإنسان.
نحن عادة مشغولون بالعمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية، ولا يهتم معظمنا ببذل الكثير من الوقت والجهد في الأعمال التي تعود بالنفع على الصالح العام، ولكن البعض منا يبذلون القليل، لأن لديهم طاقة حيوية خيرية محدودة يريدون من خلالها أن يقدموا شيئا للناس، ليشعروا بالرضا بأنهم حققوا الواجب عليهم في هذا المجال أو ذاك. المشكلة أن محدودية هذه الطاقة تجعل من المهم جدا لأمة متهالكة تعاني من مئات المشكلات المستصية أن تصرف هذه الطاقة بأكبر قدر ممكن من الفعالية التي تحقق الأهداف ذات الأولوية قبل أي شيئ آخر.
وبالرغم أن المقاطعة هي عمل فردي من حق الإنسان أن يبذله احتجاجا على الإساءة للرسول الكريم، إلا أن الجهد الضخم الذي بذله الناس للدعوة لهذه المقاطعة، وهي في النهاية عمل مؤقت له ثمرات محدودة، يجعلنا نتساءل فيما إذا كان ينبغي بذل هذا الجهد في قضايا أكثر أهمية وفي جهود تعطي ثمرات أفضل على المستوى البعيد.