وما أعظم هذا الثناء من ربِّ العالمين، يبرز فيه سبحانه وتعالى أهمية الخُلُق في دين الله، ومنزلته في حياة الناس، ودوره في الوفاء بالأمانة والعهد، والتبليغ والتعهد. ولتكون نبراساً للخَلْقِ كلِِّهم، للبشريَّة كلِّها، حتى يتمسكوا بهذا المبدأ العظيم، ويتأسَّوا بخُلُق الرسول:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا 21 {الأحزاب: 21} .
ويرفع الله منزلة النبي بين المؤمنين وبين الخلق جميعاً، حتى يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وزوجاته أمهاتهم:
النبي أولى"بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى"ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى"أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا 6 {الأحزاب: 6} ."
وهذه المنزلة العالية والصفات السامية تجتمع في رجل أمّيٍّ لا يقرأ ولا يكتب، وبعثه الله بهذه المعجزة العظيمة ليدحض الله بها أقوال المفترين ومزاعم المضلّين:
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون 158 {الأعراف: 158} .
وأمر الله المؤمنين باحترام الرسول بأسلوب الحديث وعدم رفع الصوت وعدم تقديم الرأي بين يديه، وجعل الله الإخلال بذلك مبطلاً لأعمالهم. إنه إجلال للنبوة ولمنزلتها العالية:
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم 1 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون 2 {الحجرات: 1، 2} .
وحَسْبك من ثناء الله على رسوله أن اختاره واصطفاه من خلقه، ليحمل هذه الرسالة العظيمة، وجعل طاعة الرسول من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله سبحانه وتعالى، وإيذاءه يجلب غضب الله ولعنته:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون 20 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون 21 {الأنفال: 20، 21} .
قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين 54 {النور: 54} .
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى"فما أرسلناك عليهم حفيظا 80 {النساء: 80} ."
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 {الأحزاب: 57} .
وأيّ ثناء أعظم من أن يجعل الله طاعة رسوله من طاعته، قاعدة إيمانيَّة رئيسة يلتزم بها المؤمنون أبد الدهر . ولتكون طاعة الله ورسوله هي القاعدة الجامعة للمؤمنين صفاً واحداً ما التزموا ذلك !
ويظلُّ الثناء على رسوله ثناءً ممتداً أبد الدهر، كلما تلا مؤمن كتاب الله، يردّد مع التلاوة ثناء الله على رسوله ، كما يقول الشاعر:
حَسْبُكَ المَدْحُ أَنْ تكون عَلَى خُلْ
قٍ عَظيمٍ يُتْلَى بِهِ الكِتابُ المُجيدُ
كُلُّ آيٍ مِنَ الكِتابِ وَذِكْرٍ
هُوَ ذِكْرٌعلى الزَّمَانِ جَدِيدُ (1)
2-عناية الله ورعايته، وتثبيته وحمايته:
ولا يقف الأمر عند ثناء الله على رسوله النبي المصطفى فحسب، ولكن مع هذا الثناء تمتد رعاية الله سبحانه وتعالى رعاية حانية، تحنو على الرسول الكريم وهو يشقُّ سبيله بين صخور وعقبات، وشدَّة إيذاء وعظيم ابتلاء. ويمتدُّ مع الرعاية والحنو توجيهٌ وتثبيتٌ ومددٌ بالوحي والملائكة والنور الذي أُنْزل، كلُّ ذلك ليبعث في نفسه الطمأنينة، وفي قلبه الثبات والعزيمة، ومع مسيرته الصبر والثقة والاستبشار. ولنتدبَّر بعض القبسات من كتاب الله تضيء لنا هذه الحقائق:
وتوكل على العزيز الرحيم 217 الذي يراك حين تقوم 218 وتقلبك في الساجدين 219 إنه هو السميع العليم 220 {الشعراء: 217 - 220} .
وتمضي هذه الرعاية في كلِّ أحوال الرسول ، وهو يتلقَّى الإيذاء الشديد من قريش، والعدوان والمطاردة، والكيد والتآمر والمكر من اليهود ومن قريش ومن الأحزاب كلها، حين تجمَّعت والتقت على حربه:
واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم 48 ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم 49 {الطور: 48، 49} .
وتمتد هذه الرعاية الحانية إلى التوجيه والتثبيت في مواقف الشدَّة والكيد والمكر، مع كلِّ مرحلة من مراحل الدعوة:
وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل 85 إن ربك هو الخلاق العليم 86 ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم 87 لا تمدن عينيك إلى"ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين 88 وقل إني أنا النذير المبين 89 {الحجر: 85 - 89} ."