وأنا حينما أقول: إنها صليبية فأنا أعني ما نبهنا إليه الكثيرون من أن الدول الإسكندنافية مازالت تتخذ (الصليب) رمزاً وطنياً لها في أعلامها رغم ما يقال عن"لادينيّتها" (أو علمانيّتها) .
حين يكون ذلك الرمز حاضراً لدى الدنمركي بهذه القوّة، فإن معالجة أي تصرّف بمعزل عن ذلكم الرمز الديني الوطني أمر صعب على العقل المسلم...
وأصعب منه أن نتخيّل أن يتخذ أي هجوم أوروبي ضد الإسلام صبغة دينية وأسوأ منها (صليبية) ..
نحن لم ننس بعد كيف أثرت كلمة الرئيس الأمريكي بوش (الغلطة) حين وصف حربه ضد الإرهاب بالـ (صليبية) ، وكيف استغربنا نحن المسلمين أن يبدو الغربي متديناً لهذه الدرجة، وفي وضع سياسي لا يحتمل الثرثرة بما هو ديني...
الآن تفعل الدنمرك نفس الشيء، وتجعل من تصرف أرعن وإساءة مقصودة للدين الإسلامي تعبيراً عن حرية التعبير، و"اللا خوف"من المسلم ومن إيذاء مشاعر الآخر بمسوّغات عدة..
حين تكون خلفية تلكم الإساءة دينية صليبية فالأمر سيكون مروّعاً ووخيما للغاية..
هذا ما سيحدث، وبهذا الشكل سيقرأ المسلمون الحادث ولا أستبعد أن نبدأ عهدا (صليبياً) جديداً.. تتحارب فيه الأديان كما لم تتحارب من قبل..
أمر آخر -بالحديث عن التعصّب الديني- كيف يبدو المسلمون في حميّتهم وغضبتهم للقضية الآن؟!
وما هي منطلقاتهم؟
الآن يبدو المسلمون وفي مظاهراتهم المحتجة وتنديداتهم الكلامية ومطالباتهم بالاعتذار أكثر تحضّرا وهدوءا وتعقّلاً من عاصوف (حرية الرأي والتعبير) الأوروبية التي لم نسمع بها بهذه الطريقة والوقاحة المنقطعة النظير!
الآن يظهر الوجه المختفي من الليبرالي الغربي ذي الحيادية والنزاهة واللامِساس...ويبدو أكثر شناعة وعناداً من صليبي متعصّب كان الليبرالي يتبرأ من تعصّبه الديني الدموي الفظيع لقرون طويلة..
-مرتبكون ...ولا يعرفون ما يفعلون!
وجه آخر كشفته الحادثة ويمكننا أن نفرح به جداً لنعرف أننا لسنا الوحيدين الموصومين بالحيرة والتخبّط في دفتر التاريخ المعاصر..
يبدو لنا الغربي الآن مرتبكاً لا يعرف ما يحترم...ما يقنن تصرفاته..ما حدود حريته التي هي أكبر وأفضل ما لديه ليدافع عنه الآن..
الآن تضع الإساءة الأوروبية والحدث الشنيع قيمة (الحرية) في محاكمة عادلة يتضح فيها ارتباك البشريين أمام ما يفترض أن يحترموه...وأمام الحد الذي يفصل بين الاحترام وبين الخوف من التعبير...
والحد الفاصل بين حرية التعبير والرأي وبين (قلة الأدب) والمسخرة..
والحد الفاصل بين الخوف على المصالح الاقتصادية...والخوف الحقيقي على القيم الأوروبية، واحترام الذات الأوروبية لنفسها وضميرها ومنطلقاتها..
تبدو أوروبا الآن مرتبكة ومحتارة ولا تدري ما تفعل..أمام ضميرها...أمام شعوبها...أمام قيمها...أمام المسلمين..أمام علاقاتها الدولية واقتصادها..
كثير من الكتّاب ينبهون أيضا أن الكاتب الإنجليزي الذي شكك في مذبحة الهولوكست الشهيرة يواجه حكما بالسجن لمدة ستة عشر عاما لمجرّد تشكيك في أساسات (السامية) على الرغم من أن منطلقاته كانت حوارية مدعّمة بالكثير من الأدلة والشواهد التاريخية العلمية...ولم تكن دوافعه استفزازية أو دعوة للصراع بين الأديان أو احتقارها.... كما يحصل في القضية الموصوفة بأنها تعبير عن حرية الرأي، وعدم الخوف من الدين والأديان..
هذه الانتقائية المقززة التي تمارسها أوربا تجعلنا نشعر بالقرف بقدر ما نشعر بالأسف لحجم التخبط الذي تعيشه أوروبا، والذي كشفه الحادث بشكل سافر وشنيع...
كون كثير من المسلمين حولوا المعركة الآن إلى (أرمجيدون) دينية صليبية إسلامية يمارس فيها الغربي فوقية لادينية، واستقواء ضد الفئة المسلمة القليلة..لا يعني أنه ليس بإمكاننا أن نربح المعركة بعد، وأن نحوّل التاريخ الذي كان ضدنا وضد صورتنا النزيهة كمتسامحين مدانين حتى إشعار آخر..التاريخ الذي وقف ضدنا لمدة خمس سنوات بعد الحادي عشر من سبتمبر يمكن أن نكسبه إلى صفّنا أخيراً، ونبدو نحن الأعقل والأكثر جدارة بالاحترام...والأكثر تحضّراً وقدرة على شفاء العالم من حالة الانبهار بالغربي الذي لم تستطع ناطحات سحابه ومؤسساته المستقلة أن تكون محترمة كفاية... وأن توجد الآن حلاً لمشكلة أساسها قلة الوعي (التعبيري) ...بدلاً من التحدي المرتبك جداً والمتمثل في إعادة نشر الصور المسيئة بين اليوم والآخر، وفي أكثر من جريدة أوروبية..
أخيراً..رغم كل الاستياء الذي سببه الحادث المثير إلا أنه حدث (مفيد) وضروري لنا كمسلمين في حقبة العولمة أن نضع قوانيننا أخيراً فيما يتعلق بالإساءة للأديان...وأن تبدأ حملة جيدة وقوية وصارمة لتحدي المد اللاديني الذي يريد انتزاع قدسية الأديان واحترامها من قلوب العالمين...
"اللاديني"هو الخطر القادم الذي يتربص بأجيالنا القادمة، والذي يمكنه أن يكوّن عالماً فوضوياً لا يحكمه إلا قانون متحوّل لا يحلّ حلالاً، ولا يحرّم حراماً...