وأشاعت هذه التيارات المتطرفة جوا من الخوف في هذه الدول، ويصور هذا ما يقوله محرر الشؤون الخارجية في صحيفة يولاند بوسطن من أنه"عُرض في الموسم المسرحي (الدنماركي) خلال الخريف الماضي ثلاثة عروض تضمنت نقد الرئيس الأمريكي جورج بوش أو السخرية منه، ومع هذا فقد خلا (الموسم) من أي عرض عن بن لادن"بسبب الخوف من ردود فعل المتطرفين من المسلمين هناك.
هذه هي إذن الأجواء المشحونة بالعداء بين المتطرفين من الجانبين التي حدث في سياقها نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ففي هذه الأجواء المسمومة، كما تروي صحيفة الجارديان البريطانية، كان الكاتب الدنماركي كير بلوتجين يبحث عن رسام يساعده في رسم بعض المشاهد في كتاب للأطفال ألفه عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم. لكنه لم يجد أحدا يقوم بهذه المهمة خوفا من غضب المسلمين. وقد اعتذر أحد الرسامين خوفا من الانتهاء إلى مصير المخرج الهولندي ثيو فان جوخ. كما اعتذر رسامان آخران عن القيام بهذا العمل. إلا أن رساما آخر لم يعلن عن اسمه قام بذلك في نهاية الأمر.
وقادت مشكلة بلوتجين إلى إثارة النقاش في عدد من الصحف الدنماركية (ومنها صحيفة يولاند بوسطن) عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه الصحافة الدنماركية في الرقابة الذاتية التي تفرضها على نفسها في تناولها لبعض القضايا الإسلامية، وما مصير حرية التعبير التي يتهددها هذا الخوف من ردود فعل المسلمين؟
ومن أجل التجريب لقياس رد فعل المسلمين طلب من اثني عشر رساما أن يرسموا رسوما ساخرة للنبي صلى الله عليه وسلم. وأجاز رئيس تحرير الصحيفة، كورتين جوست، نشر هذه الرسوم التي تعمد رساموها السخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم في عددها الصادر في الثلاثين من سبتمبر العام الماضي.
ولم يكن رد الفعل الأولي على نشر هذه الرسوم قويا إذ اقتصر على بعض الرسائل الغاضبة التي أرسلها بعض القراء للجريدة. لكنه في منتصف أكتوبر تلقى اثنان من الرسامين تهديدات بالقتل وهو ما أثار نقاشا غاضبا في البرامج التلفازية الدنماركية.
وكان عدم كفاءة القيادات الإسلامية في الدنمارك في معالجة هذه المشكلة بالأساليب القانونية وراء استفحالها. ويدل على ذلك فشلهم في رفع قضية في المحاكم الدنماركية، وهو ما دعاهم لإرسال وفد يحمل بعض تلك الرسوم إلى بعض البلاد العربية استنجادا بها. ولم يقتصر هؤلاء على ما نشرته الصحيفة من رسوم بل إن ثلاثة من أقذع الرسوم التي جاء بها هؤلاء لم تنشرها الصحيفة.
ويمكن أن نلحظ من خلال البرامج الحوارية التلفازية أن بعض القيادات الإسلامية الدنماركية تؤكد أن بعض الزعامات الإسلامية ذهبت بأمر هذه الرسوم إلى حد يفوق ما هو لازم. ومن ذلك ما كرره الإمام عبدالواحد الذي ظهر في عدد من هذه الحوارات (ويبدو أنه من أصول دنماركية) ؛ فقد أكد في حوار شارك فيه مع رئيس وزراء الدنمارك أن ما سمعه من اعتذار رئيس الوزراء كاف، وأن المحكمة العليا قبلت أخيرا النظر في القضية التي رفعها بعض المسلمين ضد الصحيفة. وكرر الإمام عبدالواحد هذا في برنامج"الحدث"في إحدى القنوات اللبنانية، وأشار إلى أن اعتذار صحيفة يولاند بوسطن كاف واعتذار رئيس الوزراء، على ضعفه، كاف كذلك. كما اشتكى من أن المتطرفين اختطفوا هذه القضية وذهبوا بها إلى حدود غير معقولة.
ومن الملاحظ أن المتطرفين في العالم الإسلامي على مختلف انتماءاتهم وجدوا في أزمة الرسوم المسيئة للرسول الله صلى الله عليه وسلم فرصة ثمينة لتأجيج العواطف الدينية والوطنية واستغلال حب المسلمين لنبيهم إلى حد صار لا يسمح للأصوات التي تدعو إلى التعقل في حل هذه الأزمة بالتعبير عن نفسها.
فقد سخروا من التذكير بتسامح الرسول صلى الله عليه وسلم مع من أساء إليه من أجل أخذ العبرة في معالجة هذه الأزمة ووصموا من يرى معالجتها بالطرق السلمية والحكيمة بأبشع الأوصاف واتهموه بخيانة الأمة وعدم محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كما سخروا من اقتراح عدم تعميم الإدانة على الدنماركيين وعدم إلحاق الضرر عن طريق المقاطعة الاقتصادية بمن ليس له يد في هذه الجريمة.
ووصل تطرف هؤلاء إلى أن يؤكدوا في منتدياتهم الإنترنتية أنه لا يمكن قبول اعتذار الدنمارك مهما كان، وأصدر بعضهم فتاوى بقتل الرسامين، أو جلبهم للمحاكمة في البلدان الإسلامية. ويشاركهم في ذلك السفيرة المصرية السابقة في الدنمارك التي كانت تخشى أن يعتذر رئيس وزراء الدنمارك عن إساءة الصحيفة!
وتوفر هذه الأجواء الساخنة جوا طالما حلم المتطرفون بخلقه وسعوا إلى إيجاده، وهو الذي يستطيعون فيه تنفيذ برامجهم للسيطرة على المجال العام؛ فهو ربيعهم!
وقد رأينا ما آلت إليه الأمور في المظاهرات التي اجتاحت السفارتين الدنماركيتين في دمشق وبيروت والتدمير الذي لحق بهما واستنكره حتى الذين قادوا تلك المظاهرات.