وأحد مبررات التحريم لدى المانعين أنه لايمكن مهما حاول بنو الإنسان أن يقاربوا صورته وخياله الشريف أن يطابقوا الواقع أو أن يقاربوه، ولكننا نجد في السيرة النبوية قصصاً تحكى عن أشخاص لم يلتقوا بالرسول من قبل، تمكنوا من معرفته وتمييزه بين أصحابه وهو ساكن لا حراك له، وحواريوه يحيطون به كالعقد، ولولا الأوصاف التي نقلت عنه ومقاربة الآخرين لأخيلة في أذهانهم لشكله لما عرفوه، وهذا شيء بديهي، وفي سورة الأنعام يقول القرآن الكريم: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم مايلبسون} . ولو كان الرسول شيئاً متعالياً عن الشبيه لما كان لآية: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} أي خصوصية بالله كما يعتقد المسلمون.
كما يذكر آخرون أن سبب التحريم هو أن محاولة تصويره إساءة له بحد ذاتها، وأنا أترك التعليق على هذه النقطة.
وثالثها حرمة التصوير في الإسلام، وتشتد حرمته حسب المانعين له إذا تعلق بالرسول الخاتم، فيكون تحريماً مضاعفاً، مثل مقارفة الكبيرة في الحرم، وتخبيب زوجة الجار، وزنا المحارم.
يذكر المفكر الإسلامي التونسي يوسف الصديق أن مسألة تصوير الرسول عليه السلام تحليلاً أو تحريماً بقيت مسألة مسكوتاً عنها لأربعة أو خمسة قرون من وفاته، مستدلاً بأن القرآن خال تماماً من أي ذكر لها. كان الرسول كثيراً ما يضرب الأمثلة لأصحابه ويستخدم الرسوم لتوضيح مراده كما في وصفه لصراط الله المستقيم وللسبل التي تتناوحه وتختطف المسلم وتضله عن سبيل الله، حيث قام برسم خط مستقيم وحوله خطوط، وعند المسلمين أن الملائكة في مرتبة تضاهي مرتبة الأنبياء، ومنهم رسل مثل جبريل صديق الرسول ومبلغ الوحي الأمين، وأحاديث السنة تطابقت على أنه كان يأتي إلى الرسول بصورة تتطابق مع صورة دحية الكلبي، الذي يقال إن الشيطان جاء مرة على هيئته أيضاً في إحدى غزوات الرسول مرجفاً بينهم يبث الشائعات لإحداث فتنة بين المسلمين والتشبيه عليهم.
لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح لتطهيرها من الأصنام وبقايا الجاهلية وجد رسوماً على جدرانها تصور إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فأنكر ذلك واستعظمه وبرأهما، وقام فبلل رداءه بالماء ومسح تلك الصور، وكانت تلك الحادثة مع أخريات غيرها من وقائع ووصايا للرسول تحدد موقف الإسلام من التصوير والرسوم عامة، ومن صور تسيء إلى الأنبياء خاصة وتصورهم بغير الحقيقة القرآنية.
ويذكر ابن القيم الحنبلي في كتاب زاد المعاد أن علياً بن أبي طالب دخل إحدى الكنائس فوقف طويلاً يتأمل ويتعجب من رسوم تصور المسيح وأمه العذراء.
يذكر أحد الصحابة أنه رأى الرسول عليه السلام ذات مرة ورأى القمر ليلة البدر، فلا يدري أيهما أجمل، الرسول أما البدر، ويقول أنس بن مالك خادمه إنه لم يمس يداً ألين وأنعم من القطن مثل كف الرسول.
تذكر عائشة زوج النبي أنها ذكرت للرسول أحد المنافقين وجعلت تحاكي مشيته وتسخر منه، فكره الرسول ذلك منها وقال: «ياعائشة ما أحب أنك فعلت ذلك» .كان هذا الموقف الأخلاقي العظيم لنبي مؤيد من السماء، في حديث خاص بينه وبين أحب نسائه على قلبه , وأكثرهن حظوة عنده، إنسانة بلغ من ثقتها بحبه لها، أن قالت لأبيها والرسول يسمعها بعد تبرئتها من قصة الإفك المؤلمة: «والله لا أقوم له، ولا أحمد إلا الله» ، في إشارة منها إلى عتبها على الرسول وحزنها مما نالها، منعه نبل أخلاقه من أن تهزأ زوجته بأحد أعدائه وتحاكيه وتصور له مشيته لايسمعهما إلا الله، نبي بلغ من تعظيم معظم علماء أمته له أن منعوا أي تصاوير له مهما كانت دوافع أصحابها، ومهما أظهرت تلك الصور في قالب الإجلال والتعظيم والافتتان بجماله الروحي والجسدي، فإن على أولئك الذين يعترفون بقرارات ألسنتهم - كما في لقاء راديو ال «بي. بي. سي» مع محرر القسم الثقافي في صحيفة لاندز بوستن الدينماركية - أنهم لايعرفون إلا القليل جداً عن الإسلام والرسول محمد، أن يتوقعوا ردة الفعل الصاعقة من المسلمين في أنحاء المعمورة، حينما يصورون نبيهم وحبيبهم ومن هو أعز عليهم وأغلى لديهم من أبنائهم وأموالهم بصور مهينة تحط من قدره وتسخر به، إنه لأمر مثير للقرف أن تبرر الصحيفة تلك الإهانة المتعمدة بأنها نشرت قبل سنتين رسوماً ليسوع المسيح وهو مصلوب وبيده قناني الخمر، فلم المسلمون غاضبون؟!
وتبلغ الصفاقة مداها حينما تعتقد الصحيفة بأن نشر تلك الرسوم ستخلق جواً من الحوار الحضاري.
حتى أولئك الذين لايعتقدون بالإسلام، ولايؤمنون بمحمد نبياً ورسولاً، عليهم أن ينكروا ماحدث، لأن محمداً كان ولم يزل من أعظم من عرفته البشرية عدلاً ونبلاً ورحمة وإنسانية وتحضراً، وأنه لو لم يكن شيء من ذلك أساساً فإن إنساناً يتبع ديانته ربع أهل الأرض لخليق بالحكماء والعقلاء أن يحسبوا لكلمة نابية بحقه أو صورة تنال من مقامه ألف حساب، وعليهم حينما يشطحون أن لا ينتظروا سلماً أو طمأنينة.
4 تعليقات
رسول رب العالمين