فهرس الكتاب

الصفحة 2981 من 3657

لماذا نعتبر الذاكرة الخط الأول في الدفاع عن الهوية؟. الجواب بداهة يكمن في رؤيتنا لها باعتبارها الحاضن لما تختزنه الأمة في وجدانها من مواريث تراكمت وترسخت عبر عقب تاريخية ممتدة. هذه المواريث هي التي تشكل الهوية. وحين نشير إلى المواريث فإن المقصود بها مجموع الخصائص الدينية والتاريخية واللغوية والنفسية التي تؤدي إلى الفصل بشكل حاسم بين جماعة من الناس وأخرى، والتي تشكل مجتمعة شخصية الأمة. وتنتج هذه الخصائص عن عاملين رئيسيين: الأول، داخلي يتمثل في تقاليد ومواريث. والثاني، يعكس تفاعل الأمة مع وضع عالمي فوار متغير، مفرزا موجات ثقافية متعددة ونماذج حضارية مختلفة، ينتج عنها ردود أفعال ذاتية تفرض التعامل بخصوصية مع تلك التقاليد، مانحة إياها هوية جديدة.

وإذن فالذاكرة، في جانب مهم منها هي وعي الذات. وهذا الوعي شرط أساسي وضروري للصمود والتماهي مع إرادة البقاء، وهو أيضا شرط لا مفر منه للتهيؤ للمستقبل. ولا نبالغ إذا قلنا إن الأمة العربية في مواجهتها للمحتل، قد استندت كثيرا على ذاكرتها، واستمدت منها المنعة والقوة لتحقيق النصر، من خلال استنهاضها لإرثها ومخزونها الحضاري وكان الإسلام هو أهم أركان ذلك المخزون.

ومع أن وجود العربية سابق للإسلام، إلا أن العرب لم يؤسسوا كيانا مركزيا قبله. وقد شهد صدر الدعوة الإسلامية قفزات حضارية بالنسبة للعرب. وكان الإسلام أول من أدخل فكرة الأمة لديهم، تربطها العقيدة، ووضع الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام أسسها وتنظيمها،،. بقي مفهوم الأمة راسخا، واستمر محور الفكر والتعامل في دار الإسلام، ولكن قوة الأمة سياسيا لم تتحقق إلا في فترة قوة العرب.

كانت العلاقة بين العرب والإسلام قوية وعصية على الانفصام، وقد شاء العلي القدير أن تكون كذلك باستمرار، عبر حقب التاريخ. لقد نزل القرآن الكريم باللسان العربي المبين، وحمل العرب راية الإسلام في المراحل الأولى لبزوغ فجره، واقترنت أمجاده وانتصاراته بهم. ووضعت أصول الشريعة والفقه بثقافتهم ولغتهم، وكان جل علمائه ومفكريه في صبح تأسيسه منهم. وقد أعطى ذلك دورا مركزيا ومميزا في مسيرة الإسلام عبر العصور. وبالمثل، توحد العرب بالإسلام، لأول مرة في تاريخهم، وبه كونوا أول دولة ضمتهم جميعا، هي دولة الخلافة، استمرت فترة تجاوزت القرنين، قبل أن يبرز فيها تأثير الأجناس غير العربية.

هكذا أصبحت العلاقة عضوية بين الدين الإسلامي الحنيف وبين أبناء هذه الأمة، لدرجة جعلت من الصعب على المرء الفصل بين العدوان على الدين والعدوان على الأمة. وكان المحتلون يدركون بقوة هذه الحقيقة. ولذلك كانوا لا يفصلون بين العدوان على الأرض والعرض وبين العدوان على المقدسات الإسلامية.

رأينا على سبيل المثال، الاستعمار الفرنسي في الجزائر يقوم بالسطو على الأرض والممتلكات، ويمارس امتهانا للعقيدة الإسلامية، ويمنع السكان من التحدث بالعربية، محرضا على الابتعاد عن الطقوس والعبادات الدينية. وكان يعتبر ذلك جزءا من وسائل تخريب الثقافة القومية للشعب الجزائري، وتدمير مقوماته. فكان لابد والحال هذه أن يكون اتجاه المقاومة الوطنية ورد الفعل ضد عدوان المستعمر تداخل المعاني والمضامين الدينية مع معاني ومضامين الكفاح الوطني من أجل الاستقلال.

وحين وصل الجنرال اللينبي أثناء الحرب العالمية الأولى، واحتل فلسطين، لم تغب عن ذاكرته الحروب الصليبية، رغم أن الثورة العربية كانت حليفة لبلاده. وعند وصوله إلى قبر البطل المجاهد صلاح الدين الأيوبي، بطل موقعة حطين، قال مخاطبا له"ها نحن عدنا يا صلاح الدين".

وضمن هذا التحليل، يمكننا فهم لماذا تدمر بيوت الله عند أي غزو استعماري صليبي. فهذه المساجد هي جزء من قوة الشعب المؤمن، وجزء من موروثه الحضاري، وعنصر هام من عناصر مقاومته للبغي والعدوان. ومن هنا نفهم لماذا حرص مجرم الحرب، أرييل شارون على تدنيس المسجد الأقصى، ولماذا تعرض أولى القبلتين وثالث الحرمين، لعدة محاولات تخريبية منذ احتلال القدس في حرب يونيو عام 1967. إن شارون يريد أن يركع الفلسطينيين ويقهر إرادتهم، من خلال التعرض لمعتقداتهم. ويأتي التعرض لأماكن العبادة، في الغالب متزامنا مع اعتداءات أخرى على العرض والأرض والكرامة، ظنا من الغزاة أنهم بذلك سيتمكنون من إضعاف مقاومة الشعب المحتل لهم.

في واقعنا العربي، شهدنا من جهة قوة مقاومة الشعب المحتل للغزاة، والتمكن من انتزاع الاستقلال والنصر في معظم البلدان العربية. لكن ذلك، للأسف، لم يعزز بفعل مماثل بعد الحصول على الاستقلال. لقد غاب عن النظام العربي الرسمي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا أي متصور استراتيجي للتعامل مع الصراع العربي- الصهيوني، وانعدم معها أيضا أي تخطيط عملي وعلمي لصناعة المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت