فهرس الكتاب

الصفحة 3030 من 3657

ابذلوه بإيمان كامل أن هذا واجبكم وهذه مهمتكم، وأن واجبكم ومهمتكم ينتهيان بكم هناك، عند غرس الفسيلة في الأرض، لا في التقاط الثمار!

وهو إذ يقول لهم ذلك لا يغرر بهم ولا يضحك عليهم! إنما يقول لهم الشيء الواحد الصواب!

فحين تسأل نفسك: متى تثمر الفسيلة وكيف تثمر، وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟

وحين يصل بك التفكير إلى أن تطرح الفسيلة جانباً وتنفض منها يديك.. حينئذ كيف تثمر؟ وأنَّى لها أن تعيش؟

أما قتلتها أنت حين أفلتّها من يديك؟

ولكنك حين تغرسها في الأرض وترفع يديك لله بالدعاء.. حينئذ تكون أودعتها مكانها الحق، وعهدت بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاك.

ولا يشغلك أن تسأل: متى تكون الثمار؟! ليس هذا من عملك أنت. لست مهيمناً على الأقدار. وليس لك علم الغيب. و لا في طوقك - لو علمته - أن تمسك نفسك من الدوار!

ومن تكون أنت في ملك الله الواسع الفسيح الذي لا حد له ولا انتهاء؟!

وإنما أنت أنت: مخلوق حي متحرك له كيان وله وزن وقوة ومكان في تاريخ الأرض، حين تقبس روحك قبسة من صانع الأرض وصانع الكون، وصانعك أنت من بين هذا الكون الكبير.

أفلا تدع له إذن مصيرك مطمئناً إليه؟ أو لا تدع له كذلك هذه الفسيلة التي غرستها يرعاها لك ويطلع لها الثمار؟! أو لا تكتفي بدورك المطلوب منك في الملكوت الهائل الفسيح، وتحمد الله أن لم يحمّلك سوى دورك هذا المحدود الميسور؟!

وحين تصنع ذلك تطلع الثمار!

لا عجب في ذلك ولا سحر!

وإنما أنت تؤدي دورك وتمضي، فيجيء غيرك فيعجب بك وما صنعت، فيحبك، فيذهب يتعهد فسيلتك التي غرست، فتنمو، وتطلع الثمار.

وقد تكون"سعيداً"بمقاييس الأرض، فترى الثمرة وأنت حي في عمرك المحدود.

وقد تمضي قبل أن ترى الثمار..

ولكن أين تمضي؟ هل تمضي لأحد غير الله، إلى جوار غير جوار الله؟

فماذا إذن عليك حين تصل إلى هناك، أن تكون قد رأيت الثمرة هنا، أو تراها وأنت هناك؟ كلا! إنهما في النهاية سيان.

وإنما ترضى وأنت في جوار ربك أنك غرست الفسيلة في الأرض ولم تدعها من يدك يقتلها اليأس والإهمال.

ليست إذن دعوة في الخيال حين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم للناس:"إن كان في يد أحدكم فسيلة فليغرسها".

وإنما هي صميم دعوة الحق. الحق الواقع في الأرض، المشهود على مدار التاريخ.

والدعاة في كل الأرض أحوج الناس إليها حين تضيق بهم السبل ويصل إلى قلوبهم سم اليأس القتال.

وهم أولى الناس أن يتدبروا سيرة الرسول نفسه.

لقد كان يغرس الفسيلة وهو ما يدري ما يكون بعد لحظات!

قد تأتمر به قريش فتقتله.

قد يهلك جوعاً في الشعب هو ومن معه من المؤمنين.

قد يلحق به الكفار وهو في طريقه إلى الغار فلا يكون ثمة غد.. أو تكون القيامة بعد لحظة.. ومع ذلك يغرس الفسيلة، ويتعهدها بالرعاية حتى يؤذن الله بالثمار، وهو مطمئن دائماً إلى الله ما دام يؤدي الواجب المطلوب.

ذلك هو المثل الذي يحتاج الدعاة إلى أن يقتدوا به حين يدعون إلى الإصلاح.

من كان في يده فسيلة فليغرسها!

ولا يسأل نفسه: كيف تنمو وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟

لا يسأل نفسه، فليس ذلك شأنه..

فليدع ذلك لله

ولتطلب نفسه أنه أودعها مكانها الحق، وعهد بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاه.

ـــــــــــــــــــ

[1] ذكره علي بن العزيز في المنتخب بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه."عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، باب الحرث والزراعة".

[2] جاء في إحصاء طبي أن عشرة في المائة من الأمريكيين مصابون بالصداع الدائم كمرض، أي أنه ليس الصداع الطارئ الذي تشفيه المسكنات، وإنما هو صداع دائم لا يشفى! ثم قال التقرير إن هذه النسبة آخذة في الارتفاع.

[3] سورة القصص [ 77 ] .

[4] سورة الأعراف [ 32 ] .

قَبَسَاتٌ مِنَ الرسول صلى الله عليه وسلم(2 طلب العلم فريضة

"طلب العلم فريضة على كل مسلم" [5] .

العلم.. هذا النور الذي يهدي الله به في مسالك الأرض، وينير لهم السبيل:"إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة" [6] .

العلم.. تلك النافذة الضخمة المفتوحة على"المجهول"والشعاع النافذ إلى الظلمات.

العلم.. تلك الطاقة الهائلة التي يمد بها الإنسان حياته، ويوسع كيانه، فلا ينحصر في ذات نفسه، ولا ينحصر في واقعه الضيق القريب، ولا ينحصر في جيله الذي يعيش فيه. بل لا ينحصر في محيط الأرض. وإنما يشمل هذا كله ويزيد عليه، فينفذ إلى الماضي، ويحاول أن يفهم المستقبل على ضوء الحاضر، ويرقب الكون على اتساعه من خلال مناظيره ونظرياته.. وينطلق.. كما تنفلت"المادة"المحسوسة من نطاقها الضيق وتصبح شعاعاً يدور في الآفاق.."الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء.."

وبه يعرف الحلال من الحرام. وهو إمام العمل والعمل تابعه.." [7] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت