فأي معروف أمروا به وأي منكر نهوا عنه، وأي إيمان بالله؟
عندئذ جرت عليهم سنة الله.. وغضب عليهم الله.. فاستعبدوا وهم الأعلون لو كانوا مؤمنين: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [29] .
تلك سنة الله.. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. أو يدعونه فلا يستجيب لهم، ويسألونه فلا يعطيهم، ويستنصرونه فلا ينصرهم..
لأنهم - شاءت حكمته ذلك - هم أدوات الله في الأرض. وعن طريقهم ينفذ الله أمره. كذلك اقتضت سنته: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) لا عجزاً من الله - سبحانه - عن التغيير بغير تلك الأدوات، أو بغير أدوات على الإطلاق، ولكن تكريماً لهذا الخليفة في الأرض، ومنحَه حرية التصرف وحرية السلوك.
وحين نفهم هذه السنة نفهم ذلك الحديث الذي نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذا كانت الأدوات جاهزة للعمل، متوجهة إليه، متوفرة له.. فإن السنة تمضي، والعمل ينفذ، والإصلاح يتم.
وإذا كانت الأدوات معطلة أو فاسدة.. فإن السنة تمضي كذلك في طريقها. تمضي بالإبقاء على الفساد، والزيادة فيه، وعدم التغبير عليه، وعدم الإصلاح فيه.
وعندما يدعو الناس وهم قاعدون عن العمل، وحين يسألون وهم كسالى، وحين يستنصرون وهم لا يعدون عدة النصر.. فعند ذلك لا يستجيب الله لهم ولا يعطيهم ولا ينصرهم..
لأنهم لا يستحقون النصر..
وكيف يستحقون وهم قاعدون؟!
وكيف يثبتون عليه لو منحهم الله إياه؟!
هب أن الله غير سنته - سبحانه - فأنزل عليهم النصر وهم قاعدون. أَوَ يحفظونه؟ أيدوم لهم؟ وكيف يحفظونه وهم فاسدون مفسدون، متهالكون متهاوون، لا قدرة لهم ولا عزيمة ولا دراية بأمر من الأمور؟
من أجل ذلك لا ينصرهم. (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [30] .
إن طريق النصر والاسستنصار واضحة. إن الله قد اختار أن يكون الإنسان هو أداته المنفذة في الأرض، حين يستقيم إلى الله، ويهتدي إليه، ويعمل من أجله، ويحبه ويخشاه.
فمن أراد النصر، من أراد أن يدعو الله فيجيبه، ويسأله فيعطيه فليكن حيث يريده الله، وحيث يُنْزِل عليه نصره وعطاءه فينفع النصر، وينفع العطاء.
وطريق الله واضحة. والنصر والعطاء من هذا الطريق وحده. فمن أراد النصر فليسر في الطريق وليمض قدماً. فإنه ملاق وعد الله الحق. ولا يخلف الله وعده. أما إن هجر الطريق الأوحد، وراح يتسكع في كل طريق غيره، فمن أين يصيبه النصر، وهو منصرف عنه وموليه الأدبار؟
ولقد وعت أوربا جانباً من سنة الله في الأرض - الجانب الذي نسيه المسلمون اليوم. ونسيت منها جانباً آخر - الجانب الذي وعاه المسلمون!
ولقد وعت أوربا أن الإنسان هو القوة الفعالة في الأرض. وأن الطاقة البشرية هي أداة الإصلاح. من أجل ذلك اتجهت همتهم لتجنيد هذه الطاقة، وتوجيهها إلى العمل المنتج في واقع الحياة.
ووصلوا في ذلك إلى درجة معجِبة من النشاط والتنظيم والدأب المنتج العجيب.
ذلك ما نسيه المسلمون اليوم وهم يتواكلون ويتقاعسون، وينتظرون وهم قاعدون.
ولكن أوربا نسيت الله!
نسيت أن تعمل في سبيله، وتعيش في سبيله، وتنتج في سبيله.
ومضت بطاقتها الإنتاجية الضخمة في سبيل الشيطان.
ومن ثم قام هذا الصراع الرهيب الذي يوشك أن يدمر وجه الأرض.
والمسلمون يعرفون الله.
ولكنهم يعرفونه في ظاهر قلوبهم ولا يحفظونه:"احفظ الله يحفظك [31] ".
يعرفونه ولا يأتمرون بأمره ولا ينتهون بنهيه ولا يعملون في سبيله، ويشركون به كثيراً من قوى الأرض المادية أو البشرية سواء. (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وما عبدوه حق عبادته. ومن ثم فهم لا يسيرون بعد على الطريق.
وقد اقتضت سنة الله أن من يعمل ويجتهد يصل إلى شيء.. وإن كانت سنته قد اقتضت كذلك أنه يضيع هذا الشيء في النهاية ما لم يسر في الطريق الذي رسمه الله. وهو ما يوشك أن يحدث في الغرب اليوم.
ولكن من لا يعمل لا يجد على الإطلاق.. ولو كان - نظرياً - يعرف الله ويدعوه ويسأله العطاء!
والمسلمون هم المكلفون أن يهدوا البشرية الضالة إلى الطريق: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [32] ) .
ولن يهدوا الناس حتى يهتدوا هم أولاً إلى الله ويسيروا على الطريق. والطريق معروف كما رسمه الله:"إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب..".
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[13] الترغيب والترهيب. ج 4 ص 12 رقم 29.
[14] سورة الحج [ 31 ] .
[15] سورة الجاثية [ 13 ] .
[16] انظر"السلبية والإيجابية"في فصل"خطوات متقابلة في النفس البشرية"من كتاب"منهج التربية الإسلامية".
[17] سورة آل عمران [ 137 - 138 ] .
[18] سورة الرعد [ 11 ] .
[19] سورة آل عمران [ 110 ] .
[20] سورة البقرة [ 251 ] .